يعتبر التلوث السمعي أو ما يعرف بالتلوث بالضجيج مشكلة خطيرة تؤثر في أعداد متزايدة من الناس، خاصة مع توسع المدن وازدياد الكثافة السكانية وزحف مختلف أصناف الآليات إلى محيطنا المباشر في حياتنا اليومية. وفي السنوات القليلة الماضية، بدأ الباحثون يدركون فعلاً حجم التأثيرات المؤذية للضجيج في صحة الإنسان الجسدية والعقلية. فالقلق والإجهاد النفسي وقلة النوم تزيد معدل الأيض الغذائي، ويمكن أن تتسبب أيضاً في زيادة خطر التعرض للعديد من الاضطرابات النفسية، بما في ذلك الاكتئاب.
ولقد ربطت العديد من الدراسات التعرض إلى الإجهاد النفسي الناتج على ضجيج المرور لفترات مطولة بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن الضجيج المزمن يسهم في كل عام بموت أكثر من 200 ألف شخص في أنحاء العالم بأمراض القلب.
مواجهة المخاطر
ويطالب بعض الباحثين، بمن فيهم خبيرة تصميم المدن آن فيرنيز مودون، من جامعة واشنطن في سياتل، الحكومات باتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة هذه المخاطر. وكتبت مودون في المجلة الأميركية للطب الوقائي: «أن الوقت قد حان لكي يعترف القطاع الصحي بأن الضجيج يمثل عبئاً صحياً كبيراً وأن يأخذ على عاتقه مهمة الحد من هذه المشكلة.
وفي حين لا يجد سكان البيوت الواقعة في وسط الأحياء المدنية حلولاً عملية ناجعة لوقف تسرب الضجيج من بيوت الجيران ومن الشارع إلى منازلهم، فإن الخبراء في أنحاء العالم يعلمون على تطوير عدة حلول تقنية مبتكرة لهذه المشكلة. ومن بين بوارق الأمل التي تلوح في الأفق على هذا الصعيد اختراع حديث أطلق عليه اسم «البلورة الصوتية»، وسبب التسمية أن بنيته متناظرة ومتناسقة مثل البلورة. وفي حقيقة الأمر فإن البلورات الصوتية في جوهرها ليست سوى مجموعات من الأجسام المرتبة بطريقة معينة لتبعثر الأمواج الصوتية، لكنها تمتلك سمة مغرية جداً: وهي أنها إذا صممت بطريقة خاصة يمكنها أن تمنع مرور الأصوات.
ويعتبر البعض أن أول بلورة صوتية كانت عملاً فنياً منمنماً من إبداعات الفنان الإسباني يوسيبيو سيبريم في 1977، يحمل عنوان «إورجانو»، وهو عبارة عن تشكيلة دائرية من الأنابيب العمودية بعرض 4 أمتار. ومن المرجح ان سيمبير لم يتعمد أو يقصد بناءها على نحو يمنحها سمات صوتية فريدة، لكن عندما قام فرانسيسكو مسيجور وزملاؤه في معهد مدير لعلوم المواد باختبار سماتها الصوتية في 1995، اكتشفوا أنها تسمح بعبور ترددات صوتية معينة، بينما تمنع ترددات أخرى.
ويكمن سر هذا التأثير في المسافة المتروكة بين الأنابيب. فإذا كان للأمواج الصوتية الواردة طول موجي يساوي تقريباً المسافة المتروكة بين كل أنبوبين، فإن الأصوات المنعكسة تتداخل على نحو يجعلها تتلاشى. ويستطيع أورجانو إعاقة مرور الأصوات التي تتراوح تردداتها بين 1500 و4000 هيرتز.
ابتكارات وتصميمات
ولقد ألهم هذا العمل الفني العديد من الباحثين لابتكار بلورات صوتية مشابهة تمنع مرور الأصوات بترددات أدنى. وقام اتن بورو مع زملاء من جامعتي فالانسيا بوليكلينيك الإسبانية وستانفورد البريطانية، باختبار بلورة صوتية تعكس الأمواج الصوتية وتمتصها أيضاً. وهي مكونة من أنابيب بلاستيكية طويلة، تتخللها فتحات طولية ضيقة ويمر بداخلها أنبوب من المطاط الطبيعي. وتسمح الفتحات بدخول الأمواج الصوتية، بحيث يرتد صداها داخل الأنابيب من ثم امتصاص تلك الطاقة بواسطة المطاط. وكانت مشكلة هذا التصميم حجمه الكبير الذي يجعله مثالياً للاستخدام في الأماكن المفتوحة مثل سكة الحديد والطرق، مما يحول دون إمكانية استخدامه داخل المنازل.
لكن زيو يانج وزملاءه في جامعة هونج كونج للعلوم والتكنولوجي أعلنوا أخيراً عن التوصل إلى تصميم يتسخدم غشاءً من المطاط الطبيعي (اللاتيكس)، مثبت على إطار، وعندما ترتطم به الأمواج الصوتية، يهتز الغشاء الداخلي متواتراً بشكل معاكس على نحو يخمد الأمواج الصوتية.
ولقد قام يانج وزملاؤه بترتيب تلك الأغشية على شكل ألواح مربعة مثبتة على الجدار ثم وضعوا خمسة من هذه الألواح فوق بعضها البعض، فحققوا بذلك خفضاً في مستوى الضجيج بواقع أكثر من 40 ديسيبل بين تردد 70 و550 هيرتز. ولا تتجاوز سماكة كل لوح 15 ميليمتر، لذلك فإن تثبيتها على الجدار لن يكون أصعب من تثبت ألواح الجص الجدارية.
