تمثل مشكلة النفايات المدارية كابوساً مزعجاً يقدّ مضاجع القائمين على صناعة الفضاء في أنحاء العالم لما تنطوي عليه من أخطار كامنة تحدق بالمركبات والمحطات الفضائية العاملة في المدار. فطيلة أربعة عقود مضت، منذ بدايات عصر الفضاء، حملت الصواريخ الفضائية آلاف الأطنان من المواد والمعدات إلى مدارات الأرض، ولقد تحول ‬75 بالمئة منها الآن إلى نفايات أو أنقاض مدارية تسبح في مدارات الأرض. وهناك الآن حوالي ‬22 ألف جسم من صنع الإنسان يتجاوز قطره ‬10 سنتيمترات تسبح في المدار، ونصف مليون جسم يقل حجمه عن ‬1 سنتيمتر وكلها تمثل أخطاراً جسيمة على سلامة على البعثات الفضائية.

وفي سبتمبر ‬2009، قامت ذراع روبوتية عملاقة مثبتة أسفل محطة الفضاء الدولية بالتقاط سفينة شحن فضائية يابانية تالفة مرمية في الفضاء. كانت تلك أول مرة يتم فيها تجريب هذه الآلية المثيرة لالتقاط النفايات المدارية من الفضاء. وفي ‬27 يناير هذه السنة، قامت وكالة الفضاء اليابانية، جاكسا، بعملية انتشال مماثلة لمركبة الشحن «إتش تي في‬2»، لتؤكد بذلك على أن تلك العملية خيار يمكن الاعتماد عليه فعلاً لتطهير المدار على الأقل من النفايات الضخمة الأكثر خطورة.

وشكل نجاح المهمتين المذكورتين إنجازاً مهماً بالنسبة للمهندسين العاملين على تطوير تقنيات تنظيف الفضاء من النفايات المدارية، لأن هؤلاء بأمس الحاجة لتكنولوجيا قادرة على التقاط وجرّ الأقمار الصناعية الميتة إلى مدار أدنى ومن ثم حرقه بإعادة إدخاله إلى مجال غلافنا الجوي.

وهناك الآن عدة أفكار تتناولها الأوساط المختصة بالبحث والتجريب لتنظيف الفضاء المداري من النفايات الخطرة. ففي معهد أبحاث وتقنيات النجوم في ماونت بليزانت بولاية كاليفورنيا الأميركية، يقترح جيروم بيرسون بناء مركبة فضائية تستخدم لجاماً على شكل كبل ناقل للكهرباء وتجوب مدارات الأرض لتلتقط بوساطة ذلك اللجام النفايات المدارية الكبيرة نسبياً ومن ثم تنزلها إلى المدارات الأدنى. تقوم تلك المركبة التي أطلق عليها اسم «مدمرة النفايات الكهربائية الديناميكية»، بالتقاط الجسم المطلوب إما بذراع روبوتية أو بواسطة شبكة خاصة لاصطياد النفايات المدارية، قبل أن تنزل به إلى تخوم الغلاف الجوي للأرض لتتركه يحترق بفعل احتكاكه المباشر بطبقات الغلاف.

لكن هناك أنقاضاً فضائية ذات سمات خاصة تجعل من الصعب جداً تصيدها بهذه الطريقة مثل الأقمار الصناعية المتهالكة التي تخرج منها نتوءات حادة يمكنها تخريب الذراع الروبوتية أو شبكة صيد الأجسام المدارية. ومن أجل التعامل مع مثل هذه الأجسام «غير المتعاونة» يعمل الباحثون في «جاكسا» على تثبيت فُرش بلمرية طويلة على رؤوس مقابض الذراع الروبوتية. ويتم استشعار انحراف كل فرشاة لدى اقترابها من الجسم المستهدف لحساب أأمن مسار للالتفاف حوله والإمساك به دون تخريب مقابض الذراع.

وحالما يتم اصطياد المركبة الفضائية الميتة يمكن تسريع عملية إخراجها من المدار بعدة طريق مختلفة. ويقول كريستوفر بونال من وكالة الفضاء الفرنسية انه يمكن للروبوت،مثلاً، تثبيت محرك صغير على الجسم المستهدف لإنزاله إلى الغلاف الجوي.

إلا أن إنزال النفايات المدارية إلى الغلاف الجوي ليس الخيار الوحيد. فالأقمار الصناعية الميتة في المدار الجغرافي الثابت، على ارتفاع حوالي ‬36 ألف كيلومتر، يتم عادة التخلص منها بإرسالها إلى «المقبرة المدارية»، على ارتفاع ‬300 كيلومتر فوق الحلقة التي تدور تسبح فيها الأقمار الصناعية العاملة. لكن بعض الأقمار القديمة المحكوم عليها بالموت، ينفذ وقودها قبل أن يتسنى إرسالها إلى المقبرة، وهكذا تبقى عالقة هناك في المدار الثابت. وللتعامل مع هذه الأقمار، يعتقد شوجي كيتامورا، من وكالة الفضاء اليابانية، انه بالإمكان إرسال مركبة فضائية خدمية تسير على محرك أيوني لتحلق قريباً من القمر الصناعي الميت، ومن ثم دفعه برفق بواسطة محرك أيوني إضافي مثبت في الجهة المعاكسة لإرساله إلى المقبرة المدارية.

لكن إيجاد الحل التقني وحده لا يكفي، كما يقول نيكولاس جونسون، كبير علماء ناسا في برنامج النفايات المدارية، إذ يجب تنظيم عملية تنظيف مدار الأرض ضمن إطار دولي موحد يحظى بإجماع كل الأطراف المعنية بصناعة الفضاء.