بعد قرون من التكهنات، وأعداد لا تحصى من النظريات والعديد من التجارب الفاشلة وخيبات الأمل، أخيراً، ربما نكون على وشك حل بعض أعقد ألغاز الكون: كيف انبثقت المادة من الانفجار العظيم؟ ما هو أصل الكتلة الذرية؟ ما هي المادة الداكنة الكامنة في المجرات؟
هذه ليست سوى بعض الأسئلة التي يبدو أن الإجابة عليها ستأتي قريباً من مصادم هادرون الكبير، القابع تحت الأرض عند الحدود السويسرية الفرنسية. ولذلك فمن الطبيعي أن يعيش العلماء العاملون عليه في هذه الأيام أجواء محمومة بالحماس والإثارة، عبر عنها عالم الفيزياء الدكتور دويدو تونيلي قائلاً: «أنا الآن في الستين من عمري وأعمل على هذا المشروع منذ 18 عاماً، بانتظار هذا اليوم». ويتنبأ تونيلي أنه بحلول نهاية العام الجاري وربما حتى قبل نهاية الصيف المقبل، سيكون قد تمكن مع زملائه من الكشف عن عدد من الأسرار العلمية المستعصية حول طبيعة تركيبة الكون.
تفاؤل واقعي
ولا يبدو هذا التفاؤل بعيداً عن الواقع بالنظر إلى التطور التقني المذهل الذي يتمتع به مصادم الجسيمات الذرية هادرون والإنجازات الكبيرة التي حققها على مدار السنة الماضية حيث استطاع إثبات كل الخصائص الأساسية للنظريات الحالية حول نشأة الكون وتطوره. والآن يعمل المصادم بمستويات طاقة قياسية غير مسبوقة تتحرك خلالها الجسيمات الذرية وكأنها مسخنة إلى درجات حرارة تفوق مليون مليار درجة مئوية. وهذا يمنح العلماء ما يحتاجونه لاختبار تلك النظريات في ظروف مشابهة لظروف ولادة الكون. ولإيجاد مثل هذه الظروف يقوم العلماء بصدم أحزمة من الجسيمات الذرية المتسارعة داخل نفق بطول 27 كيلومترا. والجسيمات التي يتم مصادمتها هي البروتونات وتوليفة من البروتونات والنيوترونات على شكل نوى الرصاص ـــ أو ما يسمى بالهادرونات التي سمي المصادم باسمها. وعند صدم هذه الجسيمات الذرية ببعضها بسرعات خيالية داخل نفق المصادم، تتولد جسيمات ذرية أصغر تعرف بالكواركات والجلونات، وهي التي تشكل إلى جانب الإلكترونات وحدات بناء جميع الذرات في الكون. وبدراسة هذه الجسميات، يعتقد العلماء ان بإمكانهم استنتاج قصة حياة المادة في الكون.
وفي هذا السياق تلعب أجهزة كشف الجسيمات الذرية المتطورة المنتشرة في أنحاء المصادم دوراً بغاية الأهمية. فهي تقوم برصد تجارب التصادم بحثاً عن أية أحداث غير مألوفة. ولقد بدأت هذه الأجهزة بالفعل بالكشف عن مفاهيم جديدة حول حالة الكون الأولى بعد جزء من تريليون بالثانية من ولادته في الانفجار العظيم.
حالات كونية
وبحسب علماء الكونيات، فقد كان الكون في حينها ساخناً جداً لدرجة أن الكواركات كانت لا تزال في حالتها الحرة، ثم شكلت مع الجلونات «الضباب الكوني البدائي»، الذي تشكلت منه في مراحل لاحقة البروتونات والنيوترونات. ولقد توصل الآن العلماء العاملون في المصادم إلى أقوى دليل، حتى يومنا هذا، على وجود هذا الضباب الذي يعرف بـ «البلازما الكوارك ـ جلونية». وعندما تم الإعلان عن هذا الاكتشاف في نوفمبر الماضي، لاقى ترحيباً كبيراً من قبل العلماء باعتباره أول دليل قاطع على نظريات حالة الكون في اللحظات الأولى بعيد ولادته.
لكن من المرجح أن يتصدر مصادم هادرون عناوين الأخبار قريباً باكتشاف أكبر: عند التوصل إلى دليل ملموس على ظاهرة تدعى «التماثل السوبر». ويعتقد أن هذه الظاهرة التي تنبأ بها علماء الفيزياء النظرية في الستينات من العقد المنصرم تشكل جزءاً أساسياً مما يعرف بـ «نظرية كل شيء»، وهي مجموعة المعادلات التي طال انتظارها، والتي تصف جميع الجسيمات الذرية في الكون والقوى التي تؤثر بتلك الجسيمات. ومن المتوقع أن يتجلى وجود «التماثل السوبر» للعلماء على شكل مجموعة من الجسيمات غير المرئية حتى الآن، والتي تعرف بـ«سوبربارتنر». وقبل مصادم هادرون، لم يكن هنا في العالم أي مصادم يمتلك الطاقة الكافية لاختبار هذه النظرية.
ظروف مماثلة
وعلى مدار الأشهر القليلة المقبلة، سيقوم مصادم هادرون الكبير بصدم البروتونات ببعضها بمستويات طاقة غير مسبوقة لإعادة إيجاد الظروف التي يفترض أن تنبثق منها الجسيمات السوبر. وإذا كانت نظرية «التماثل السوبر» صحيحة، ولو بأدنى أشكالها، فسوف يتم أولاً العثور على ما يسمى بـ «النيوترالينو»، وهو أخف الجسيمات السوبر وأكثرها استقراراً. ويكثف تونيلي وزملاؤه الآن البحث عن أية مؤشرات على وجود هذا الجسيم، الذي يتوقعون العثور عليه قريباً ربما خلال أشهر قليلة. وإذا حدث هذا، سيضج العالم كله بأنباء هذا الاكتشاف، الذي لن يثبت نظرية «التماثل السوبر» وحسب، وإنما قد يحل أيضاً لغز «المادة الداكنة» التي يتكون منها الجزء الأعظم من الكون والتي حيرت علماء الفيزياء الكونية منذ عقود طويلة.
