ذات يوم تلقى موقع «ميكانيكل تيرك» الالكتروني التابع لموقع أمازون العملاق طلبا عاديا غير مثير للاهتمام من بوريس سموس. فقد أراد هذا الباحث تجميع بعض الحقائق عن مدينة نيويورك بواسطة شبكة الإنترنت. وقام الموظفون بالمهمة على الوجه الأكمل وقدموا الإجابات في دقائق معدودة. ولا يحتاج إنجاز مثل هذه المهام والحصول على أجوبة لها إلى مهارات خاصة، فهي مهمة عادية تتوفر خدماتها على الموقع مقابل بنسات قليلة.
غير أن هناك شيئا غير عادي في هذه المهمة، فلم يطلبها سموس، وهو باحث في جامعة كارنيجي ميلون الأميركية، بنفسه، بل قام بطلبها برنامج كمبيوتر ابتكره الباحث. كما أن هذا البرنامج نشر إعلانا يطلب فيه بعض الموظفين المتخصصين بالتحرير الصحافي والكتابة. وقام البرنامج بالحصول على النصوص المكتوبة والتحقق منها وإعادة صياغتها. وبهذا العمل حصل سموس على مدونة موسوعة عن مدينة نيويورك، تم إنتاجها من قبل باحثين من البشر لكنها عولجت بواسطة إحدى الآلات.
وهذه الفكرة، وهي نقطة تجميع بشرية تشرف عليها رقاقة من السيليكون، قد تغير الطريقة التي نعمل بها، فإنجاز بعض المهام الثانوية كفرز صور الحشود أصبحت الآن من الأمور الشائعة، التي تنجز آليا، ويتوقع في المستقبل القريب القيام بمهام أخرى أكثر تعقيدا.
وفي غضون السنوات القليلة الماضية أقامت بعض الشركات مشاريع تعتمد على أعمال الترجمة والنسخ التي توكل إلى حشد من الموظفين. ويتوقع قريبا إقامة مواقع للمدونات والبيانات الصحافية وحتى لتصاميم الأثاث بالطريقة نفسها. وإذا ما حققت هذه الفكرة نجاحا، فيمكن تحويل العديد من الأعمال التي تحتاج لعمالة ماهرة في العادة، إلى قوى إنترنت عاملة زهيدة التكلفة وسريعة ومدربة.
يقول الباحثون في هذا الصدد: إننا نسعى للحصول على وسائل تتعلق بأعمال التركيب والتصميم التي يمكن تحقيقها في الأحوال العادية بحشد كبير من العمالة، لكنها لا تحتاج سوى إلى عدد بسيط من موظفي الإنترنت. وهناك مواقع كاملة على الإنترنت لم نستغلها حتى الآن.
وتبدو هذه الفكرة جيدة بالنسبة لأعمال الترجمة والنسخ، وتستخدم شركة «كاستنغ ووردز» برنامجا لإدارة قوى عاملة مدربة للعمل على الإنترنت مهمتها نسخ المقابلات الصوتية والملفات الرقمية الإعلامية. ويقوم البرنامج بتقسيم الملف الصوتي إلى أجزاء، ويوزع كل جزء على أحد الموظفين. وتحول النصوص حال اكتمالها أوتوماتيكيا إلى موظفين آخرين لتدقيقها. ثم يجمع البرنامج النتائج ويعطي النسخة الأخيرة إلى موظف واحد للتدقيق النهائي عليها قبل إرسالها إلى الزبون، كل هذا بدون أي تدخل من مدير بشري.
يذكر أن جذور البحوث الخاصة بالذكاء الاصطناعي ترجع إلى الأربعينات من القرن الماضي مع انتشار أجهزة الكمبيوتر الأولية وعملية استخدامها. وتركز الاهتمام في بداية الخمسينات على الشبكات العصبية. وفي الستينات توجه البحث نحو النظم المبنية على تمثيل المعرفة، وقد استمر العمل بها خلال السبعينات. ومع بداية الثمانينات و بعد إعلان المشروع الياباني المتعلق بالجيل الخامس من أجهزة الكمبيوتر، حدثت طفرة كبيرة في بحوث الذكاء الاصطناعي، وأولى المحاولات في هذا المجال الاختبار الذي وضع فرضياته العالم الانجليزي ألان تورنج الذي وصف في الثلاثينات الة خيالية يمكنها تحديد المشكلات التي يمكن حلها بواسطة الآلات و تستطيع كتابة الرموز و قراءتها و تعمل بمقتضاها من تلقاء نفسها وابتدع تورنج اختبارا للتأكد من ذكاء الآلة عن طريق وضع الآلة في حجرة مغلقة تخرج منها نهاية طرفية في ردهة ووضع إنسان في حجرة مغلقة أخرى يتصل هو الآخر بنهاية طريق في الردهة نفسها. و يوجد إنسان آخر (الحكم) في الردهة وهو الذي يتولى الاتصال بالآلة والإنسان. و يتولى الحكم إدارة حوار مع كل من الآلة و الإنسان دون إن يراهما. ويقيس ذكاء الآلة وقدرتها على التفكير. ولاقى اختبار تورنج الكثير من المعارضة لعل أبرزها ما يتعلق باعتماد الاختبار على ذكاء الحكم، برغم أنه وضع حجر الأساس للأبحاث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وذكاء الآلة.
