في السنوات الأخيرة، أصبحت العازلات الطوبولوجية، التي تعنى بخصائص الحيز الفراغي، تشكل واحدا من أهم المواضيع في العلوم الفيزيائية. وتتألف هذه العازلات من مواد جديدة ومبتكرة تعمل كعازلات وموصلات في الوقت نفسه، حيث يمنع تركيبها الداخلي تدفق التيار الكهربائي، في حين تتيح أطرافها أو أسطحها تحرك الشحنات الكهربائية.
والأهم من ذلك أن أسطح العازلات الطوبولوجية تتيح نقل الإلكترونات المستقطبة والدوارة في حين تمنع نقل المتناثرة منها، والمرتبطة في العادة باستهلاك الطاقة، والتي تنحرف فيها الالكترونات عن مساراتها، مما يؤدي إلى تشتتها وتبديد الكهرباء.
ونظرا لتلك السمات، فإن هذه المواد تعتبر واعدة، ولديها طاقة كبيرة للاستخدام في ترانزستورات المستقبل، والمجسات المغناطيسية التي تمتاز بفعاليتها الكبيرة في الطاقة، ولا تتطلب تيارا كهربائيا عاليا.
وفي دراسة نشرت، أخيرا، في مجلة «علم تقنيات الطبيعة المصغرة» أظهر باحثون من جامعة أستراليا في كوينزلاند تقنية واعدة تتعلق بقنوات الإيصال السطحي للإلكترونات في شرائط مصغرة من العازلات الطوبولوجية المصنوعة من تيلورايد البزموث، وهي تظهر أن الحالة السطحية في هذه الشرائط المصغرة قابلة للانضباط، أي أن بإمكانها أن تفتح وتقفل اعتمادا على مستوى طاقة الإلكترون في المواد العازلة.
ومادة تيلورايد البيزموث معروفة جيدا كمادة كهروحرارية ولها خصائص العازل الطوبولوجي ذي الأبعاد الثلاثة بسطوح خشنة وفريدة. وتظهر التجارب الأخيرة المتعلقة بمادة تيلورايد البيزموث وجود قنوات اتصال ببعدين ناجمة عن الحالات السطحية لهذه المادة الفريدة. ولكن الباحثين واجهوا تحديات كبيرة لتعديل الإيصالية السطحية في أشباه الموصلات نظرا لوجود شوائب كبيرة وتهيج حراري في الفجوات متناهية الصغر الموجودة فيها.
وقد ساعد تطوير عازلات طوبولوجية من الأشرطة متناهية الصغر بخصائصها التي تتميز بكبر أسطحها مقارنة بحجمها، في تعزيز أسطحها، كما أتاج معالجة تلك الأسطح بوسائل فائقة.
واستخدم الباحثون الأستراليون شرائط تيلورايد البزموث المصغرة هذه كقنوات اتصال في تراكيب عملية من أجهزة الترانزستور. واعتمدوا على المجال الكهربائي للتحكم بمستوى الحيز الفراغي، وبالتالي بإيصالية كل قناة. وتمكنوا للمرة الأولى من إظهار إمكانية التحكم بحالة الأسطح في العازلات الطوبولوجية المتناهية الصغر.وبلغت نسبة الإيصالية السطحية 51٪، وهي تمثل أعلى قيمة في هذه العازلات.
وتلقي النتائج الأخيرة الضوء على التحكم بحالات دوران الأسطح في العازلات الطوبولوجية وتظهر حدوث تقدم مهم بشأن الإيصالية الكهربائية العالية على الأسطح، مما يساعد على التطبيق العملي لها من خلال تطوير الجيل الثاني من أجهزة الترانزستور.
ويأمل الباحثون أن تتمثل الخطوة التالية في إنتاج أجهزة إلكترونية متناهية الصغر وسريعة جدا بالارتكاز على هذا الاكتشاف. ويشيرون إلى أن السيناريو المثالي لديهم يتمثل في تحقيق إيصالية سطحية كاملة بنسبة 100٪ بحالة عزل كامل في معظم المواد. وبالارتكاز على عملهم الحالي فقد استهدفوا ابتكار وتطوير أجهزة ترانزستور ذات أداء عال واستهلاك أقل بكثير للكهرباء مقارنة مع استهلاك أشباه الموصلات التقليدية التكميلية المصنوعة من الأكاسيد الفلزية التي تستخدم في الأجهزة الالكترونية الحالية. يقول كانغ وانغ رئيس قسم الباحثين في جامعة استراليا، في هذا الصدد: سيتيح لنا اكتشافنا الجديد فرصا عديدة لا تعوض لبناء جيل جديد من الأجهزة الكهربائية والالكترونية المصغرة، التي تتميز بانخفاض تشتت الكتروناتها ودورانها الالكتروني، وبالتالي انخفاض استهلاكها للكهرباء. وقد تمكنا من إيجاد إيصالية سطحية من خلال الإزالة الجزئية لمعظم الإيصالية المشتتة باستخدام مجال كهربائي خارجي.
وقد مولت هذه الدراسة من قبل برنامج أبحاث مركز فوكس المتخصص بالبحوث المتعلقة بالهندسة المصغرة للأجهزة، كما ساهم في التمويل وكالة بحوث مشاريع الدفاع الأميركية المتقدمة ومجلس البحوث الاسترالي.
