بهدوء شديد رحل الأديب أحمد بن خليفة المطروشي كما كانت حياته التي امتدت من أواخر ثلاثينيات القرن الماضي في حوالي عام 1937، وحتى الحادي والعشرين من فبراير 2011م - حـــــــياة عاشها بهدوء وغادرها بصــــــــمت. كان شاهـــدا على عصر تابع أحداثه عن قرب بعين المتابع، ساهـــــــم في بداية التحول الثقافي بالإمارات وشارك في ملامح جذور الحراك الثقافي، ولكنه توقف فجأة وآثر الانزواء، بعد أن ضاق بالواقع، لم تساعده معطيات المجتمع الذي عاش فيه، لأنه مجتمع لا يتيح إلا النزر اليسير من المعارف والعلوم . ثلاثينيات وأربعينات القرن الماضي لم تكن تمـــنح المـــــــــرء ما هــــو كاف من الدراســـة الا لمن كانت لديه العـــــــــزيمة والظــــــروف المساعدة .
فقد ولد أحمد المطروشي وعاش في كنف والده خليفة بن سعيد المطروشي الذي كان محبا للثـــــــقافة والآداب وكان يقرض الشعر. داعب يوما صديقه الشـاعر راشد سعيد يابس راس الذي كان يطلق علــــــــــيه يابس راس ( أي إنه متشدد في رأيه ولا يمكن ثنيه عنه ) في حـــــين أنه كان رجلاً لطـــــــيفا ظريفا . فهو يقول له :
أخطأ من سماك راسا يابسا
ما أنت إلا يابس الرجلين
لو أن طيرين في السماء تخاصما
لكنت أنت ثالث الاثنين
وكانت له مجموعة من المختارات الشعرية من الشعر العربي. كان يستدعي المرحوم محمد بن حافظ الذي اشتهر بحسن خطه وجماله ليكتب له تلك المجموعة التي خطها في أربعة دفاتر من الحجم الكبير.
تعلم الانجليزية
وفي الأربعينات وصل البلاد رجل عماني يدعى جمعة المسقطي كان قد تلقى علومه بالعراق ليفتتح في دبي فصــــــلا لتعليم اللغة الانجليزية، فقابله خليفة المطروشي ومنحه بيتا صغيرا دون مقابل، شريطة أن يقوم بتدريس ابنيه أحـــــــمد وســــعيد . فيـدرس أحمد على يديه فترة . ثم ينتقل ليدرس على يد الأستاذ الفلسطيني عبدالله فارس، الذي افتتح فصلا لتعليم اللغة الانجليزية أيضا، والتحق لديه عدد من أبناء ذلك الجيل، وبعد أن حصل المطروشي على قســــطٍ وافٍ من اللغة تم تعيينه بالمدرسة الاحـــــــمديه بدبي لتعليم اللغة الانجلــــــــيزية وكــان قبل ذلك طالبا بالمدرسة، ثم كلف بالتدريس في مدرسة الفلاح أيضا، فكان يقوم بالتـــــدريس بالاحمدية بداية النهار وفي منتصف النهار يذهب للتدريس بالفلاح، وفي فترة الصيف كان يفتـــــــتح فصلا خاصا به للتدريس بمقابل رمزي.
بعد ذلك اصطحبه المغفور له ثاني بن عبدالله الرميثي ( بوقفل) الى أبوظبي ليعمل مترجما لدى الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي آنذاك .
الولع بالقراءة
كان مولعا بالقراءة والاطلاع فقرأ في كتب التاريخ والأدب وحفظ كثيرا من الشعر العربي القديم والمعاصر. والشعر النبطي، ساعده على ذلك نبوغه والجو الذي عاشه مع والده عندما كان يكلف ابن حافظ لكتابه مختاراته من الأشعار حيث كان يجلس معهما ويطلع على المادة المكتوبة.
وكان حبه للأدب والثقافة قد دفعه للبحث عن المزيد من المعرفة، وجاءت الفرصة عندما تم ابتعاث مجموعة من الطلاب للدراسة بالبحرين لإعداد معلمين عام 1956 ويكون من بين هذه المجموعة التي ضمت كلا من أحمد خليفة المطروشي،راشد خليفة المطروشي، بلال الصايغ، ثاني بن حريز، سالم راشد المخاوي، سالم بن طوق، عبدالرحمن الجلاف، عبدالله بن الشيخ أحمد بن حسن، علي بن سلوم، محمد صالح الريس، وكان ابتعاثهم من قبل مجلس التطوير بناء على طلب من حكومة دبي.
بعد أن عاد من البحرين أسس مع مجموعة من رفاقــــــــه ناديا أسموه «النادي الثقافي» في بيت تعود ملكيــــــــته لعائلة الدوسري وذلك في منطقة شارع ســــــكة الخيل شمالا، سوق الذهب حاليا، وقد حملت واجهة البيت اسم النادي. بعد ذلك قاموا باستئجار مجلس بيت الشيخ محمد بن عبدالسلام المغربي قاضي دبي بعد أن غادر أولاده إلى الكويت رفقة صهرهم عبدالرزاق الرزوقي، وكان البيت في عهدة المرحوم خـــــليفة المطروشي لتأجيره لهم .
براعة في العمل
عام 1959 أنشئت دائرة الأراضي والأملاك برئاسة المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم وعهد بإداراتها إلى أحمد آدم من الســــــودان،ونـــقل إليها نائبا للمدير المرحوم عـــــبيد مــــيرزا شقيق الدكتور احمد أمين المدني. والتـــــحق المطــــروشي بها موظفا . وبــــــرع في عمله، وقربه الشيخ مكتوم ونال ثقته .
وأثناء ذلك تم توزيع منشورات في الأسواق اتهم المطروشي ومجموعة من رفاقه بأنهم وراءها وأبعد إلى الكويت . ومن هناك سافر إلى السعودية وعمل بشركة أرامكو وبقي فترة من الزمن ومن هناك كان يراسل عائلته، وبعد ورود كتابه إلى والده خليفة المطروشي رد عليه بقصيدة ( والنص من حافظة شقيقه راشد ) حيث يقول فيها :
كتاب جاء من نجد
وفاح الرنـد بالـــورد
وناحت في الاثيــلات
مطوقة بأصـوات
تذكرني بساداتـــــي
وعهدي من بذي سلم
بابائي وأجدادي
ومن سميته باســمك
فاحفظه ولا تهلـــــك
أباه فهو لا يملـــــــــك
سوى رحماك في الهـم
فكن لي يا أبا الزهرا
شــــــفيعا يوم لا تذري
مثاقيل مـــــن الــــــذر
بحق السيف والقلــــــم
عمل وأسفار
بعــد ذلك غــــــادر إلى الكويت وعمل بها فترة من الزمن في إحـدى دوائرها، والذي شجعه على ذلك وجود عائلة الشيخ محمد بن عبدالسلام المغربي بالكويت وإقامتهم بها . وبعد فترة من الزمن عاد ليعمل في القطاع الخاص في شركة توكيل سيارات (فيات) الايطالية لدى شركة الغربللي بدبي . ثم استقال واعتزل الناس إلا قليلا من رفاقه المقربين. ذلك شيء من حياة المطروشي العامة لكن أين هو أحمد المطروشي الأديب؟، قبل أعوام كنت أطالع الأعـــــــــداد القـــــديمة لمجلة أخبار فإذا بعيني تقع على قصيدة موقـــــعة باسم أحمد المطروشي وهي في رثاء الزعيم جمال عبدالناصر، وهي قصدة تقليدية لكنـــــــها قوية السبك عبر فيها عن شــــــعوره وشعـــور أبناء جــــيله تجاه ذلك المصاب الجلل، يقول في قصيدته:
بكت السماء بدمعها الهتان
يوم النوى صعب على الخلان
فكأنها وكأنني في أدمعـي
متشابهان تشـــــابه الأقــران
لكن دمعي قاني ودموعهـا
كاللؤلؤ البراق في التيجـان
إلى أن يقول:
بأبي جمالّ!! أنت قائد ركبنا
زعيم وحدتنا الأمين البانـي
لقنت الاستعمار درساً قاســــياً
سيظل يذكره مدى الأزمــان
حافظة متقدة
بعد ذلك حاولت الاتصال به وهو المنعزل عن الناس حيث كان يقيم بمفرده، وتعرفت على هذه الشخصية، كانت حافظته لا تزال متقدة كلما جاء ذكر حـــــــديث حول موضوع ما استشهد بحكمة أو مثل أو قصة أو بيت شعر . وكلما جاء ذكر بيت شعر ذكر القصيدة التي منها البيت ومن الشــــاعر ونبذه عن حياته، وكان من المعجبين بالمتنبي يحفظ جل شعره.. وقد أهديته مجموعة من مطبوعات ندوة الثقافة والعلوم والمجمع الثقافي، وشيئا من الكتاب المسموع الذي صدر عن المجمع الثقافي خاصة مختارات شعر المتنبي فأعجب بها، وكلما اتصلــــت به حدثني عن كتاب من تــــــلك الكتب التي أهديته إياها مبديا ملاحــــظاته بين إشادة وإعجاب أو ملاحظات علميه .
سألته هل لديك قصائد أو كتابات نثرية فأخبرني بأنه يكتب لكنه لا يحتفظ بما يكتب وأســــمعني شــــيئا من شعره في مناسبات مختلفة . أهمها قصائد مناسبات ومداعبات . وبعض مما كتبه في القضايا الوطنية . واستمر تواصلي معه هاتفيا، بعدها انتقل من بيته بمنطقة البراحة للإقامة مع شقيقه راشد في منزله بالطوار.
وبعد فترة علمت بانه نقل إلى مستشفى دبي للفحوصات. وبقى هناك في إحدى غرف المستشفى للرعاية الطبية . وقد زرته في ليلة من ليالي شهر رمضان الماضي عام 2010 وجلســـــت معه حيـــث كان هناك شقيقه راشد ودار بيننا حديـــث عن التعليم والأدب . واستمعت منه إلى بعض قصائد شعراء الإمارات مثل أحمد بن سليم وغيره شعرا فصيحا ونبطيا.
تجربة شخصية
ودعت أحمد المطروشي آملا بزيارته ثانية ، حيث قمت بشراء جهاز تسجيل لأتمكن من تسجيل شيء من شعره ومحفوظاته . ولكن التسويف والتأجيل حرمني من ذلك . حتى جاءني نبأ وفاته ومغادرته دنيا الناس بهدوء مختزنا معه ما حفظه وقاله من تاريخ وأشعار وأمثال وحكم.
أملا أن يتمكن أخوه راشد من الحصول على شيء مما كتبه أو احتفظ به ففيه خير كثير.
رحم الله أحمد المطروشي ورفاقه الذين كانوا على شاكلته من أبناء الإمارات الذين كونوا ثقافتهم ومعارفهم بجهود ذاتية . ولم تكن الظروف أمامهم متاحة ليواصلوا تعليمهم الجامعي والعالي.
بكت السماء بدمعها الهتان
يوم النوى صعب على الخلان
فكأنها وكأنني في أدمعي
متشابهان تشابه الأقران
لكن دمعي قاني ودموعها
كاللؤلؤ البراق في التيجان
لله قلب بالغرام متيم
يشكو الهوى عبثا بغير حنان
ضحت به نوب الزمان وطالما
ضحى لخير الشعب والأوطان
هذا الزمان بنوه صاروا عرضة
للبغي والبهتان والعدوان
حتام نصبر يا أخي لمذلة
ويسومنا الباغي بغير جنان
كانت بنا الأوطان تزهو والدجى
يفتر عن بيض السيوف يماني
والكل يخشى بأسنا لكننا
بالعدل سدنا سائر البلدان
وتهافت العظماء تطلب ودنا
لما هزمنا كل ذي طغيان
شدوا عزائمكم ورصوا صفكم
وتعاونوا فالخير في الأعوان
وتهيأوا للوحدة الكبرى فما
أصل البلى إلا من التيجان
بأبي جمال!! أنت قائد ركبنا
وزعيم وحدتنا الأمين الباني
لقنت الاستعمار درسا قاسياً
سيظل يذكره مدى الأزمان
سيظل يعلم أننا عرب متى
نغضب نثور كثورة البركان
سيظل يعلم أننا لا ننثني
سنقاوم العدوان بالعدوان
حييت يا بطل العروبة ناصر
أنت الزعيم ونحن طوع بنان
إنا بنوك فسر بنا نحو العلا
فلقد سئمنا عيشة العبدان
من شعر المطروشي
