قبل أيام تفضل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بتكريم شخصيتين مهمتين من أبناء الإمارات الأوفياء. معالي الفريق ضاحي خلفان وعبد الغفار حسين. وأنعم عليهما بوسام الشيخ محمد راشد. وليس ثمة مكان لوضع هذا الوسام الكريم سوى صدري هذين الشخصين اللذين خدما ولا يزالان يقدمان لهذا الوطن الكثير. ومن هم على شاكلتهما.

ويأتي التكريم لفتة طيبة من صاحب السمو الشيخ محمد الذي أرسل من خلالهما رسالة يوجهها إلى جميع العاملين في الحقلين الرسمي والأهلي بأن من يعمل ويقدم جهوداً تُذكر لا بد أن تُحمد وتُشكر، وتتم مكافآتهم عليها. وأن الإنسان لا ينقطع عن العطاء والعمل من أجل الوطن من أي موقع يكون فيه.

وأود أن أتحدث عن أحد النموذجين المكرمين وهو الأستاذ عبد الغفار حسين الذي ترك الخدمة العامة منذ ثلاثة عقود تقريباً، حيث التحق بالعمل في بلدية دبي منذ تأسيسها عام ‬1957، وتركها في سبتمبر ‬1979. وقدم خلال هذه الفترة الكثير مما يتطلبه عمله. وأسهم في تأسيس بعض المؤسسات الثقافية مثل المكتبة العامة عام ‬1963، ومجلة أخبار دبي ‬1965، ومتحف دبي.

وقد كنتُ منذ فترة قد حادثته للكتابة عن إسهاماته المجتمعية وجهوده الأدبية والفكرية لكنه طلب مني التريث قائلاً: أرجو أن تؤجل كتابتك عني إلى ما بعد وفاتي لأني أثق أنك ستنصفني وتكتب شيئاً جميلاً عني. فقلت له ساعتها: إننا لا ندري من منا سيكتب عن الثاني بعد وفاته. فقد تردّد أنتَ يوماً ما وأنتَ تكتب عني ما قاله حافظ إبراهيم عن شوقي بعد وفاته:

قد كنتُ أوثر أن تقول رثائي                يا منصف الموتى من الأحياء

 

في خدمة الثقافة

حاولت أن أجمع شيئاً مما كتبه. وأراني الآن في حاجة ماسة للكتابة عن جهوده وتجربته فمقام التكريم الذي أناله إياه صاحب السمو يستوجب منا جميعاً القيام بتقدير الجهود التي من أجلها كان التكريم.

فلقد خدم أبو نبيل الثقافة منذ فترة طويلة سواء أثناء عمله الرسمي كما أسلفت أو من خلال كتاباته. فالرجل الذي يملك مكتبة خاصة يفوق عدد كتبها الأربعة آلاف عنوان في علوم مختلفة وبلغات مختلفة، ومنها أوائل المطبوعات، ونوادرها، قد كون لنفسه مخزوناً معرفياً ساعده على أن ينال من العلوم المختلفة من كلّ شيء بطرف على رغم دخوله المدارس الحديثة وعدم جلوسه في مقاعد الجامعات. إلا أنك تجده من خلال مداخلاته وأحاديثه يكشف عن شخصية ثقافية متمكنة عميقة المعرفة ودقيقة الدراية.

لذا فإنه عندما بدأ الكتابة كان متسلحاً بأدواتها سواء في الكتابة النقدية أو الدراسات والمتابعات. فكتب حول الإمارات تاريخاً وجغرافيا، وإعلاماً، وراجع كتباً وفي كل كتاباته تجد شخصيته الواعية العارفة لما تقول. ولعله أول من أرشدنا للكتابة عن أعلام الإمارات وغيرهم. ففي العدد الثاني من مجلة أخبار دبي الصادر ‬23/‬1/‬1965، نجد له مقالة بعنوان دبي بين الماضي والحاضر. وقد كتب عن تلك المحاولة أنها (محاولة لإلقاء بعض الأضواء على الموضوع، ولعل هذه المحاولة تكون سبباً في استنهاض همم بعض أخواتي من المواطنين ممن لديهم القدرة على الكتابة لمواصلة هذا البحث...).

وفي العدد التاسع من أخبار دبي يكتب تحت عنوان شخصية من دبي يتحدث عن الشيخ عبد الرحمن بن حافظ مشيراً إلى أنه جمع بين الفقه وسعة الاطلاع في الأدب وعلوم العربية. وأول عالم من دبي يؤلف في الفقه والحديث. وفي العدد (‬11) من أخبار دبي يكتب تحت عنوان خواطر يذكر فيها رأس الخيمة، أرض الطبيعة الساحرة فلي ساحل عُمان، وأن العرب بحاجة إلى صرخة كصرخة وامعتصماه، ثم يسأل أين سيوف العرب التي كانت مثار فخر أبي تمام. وفي العدد الثاني من السنة الأولى أكتوبر ‬1972، في مجلة الأهلي، يكتب تحت عنوان ؟ظظ تاريخ ملقياً بعض الأضواء على ماضي ساحل عمان وحاضره، ويذكر أنه منذ مدة وفي نيتي أن أقوم بمحاولة البحث والاستقصاء عن ماضي ساحل عُمان، وأن أربط بين ماضي هذه البلاد وحاضرها...

 

وجهات نظر

في مجلة المَجْمع الصادرة عن المجمع الثقافي بدبي بعددها الرابع ديسمبر ‬1973، يكتب عن ابن ظاهر، الشاعر الشعبي الخالد في ساحل عُمان، يتناول التعريف به وبشِعره. ومقالة أخرى عن الشيخ مبارك بن علي الشامسي متحدثاً عنه بأنه العالم الفقيه الذي كان من كبار تجّار اللؤلؤ.

وأن الإنجليز خافوا منه فأبعدوه عن وطنه. ويتناول دور الممثلين المحليين للإنجليز الذين كانوا السبب فيما عانته المنطقة من تأخّر. وفي جريدة الخليج بعددها الصادر في ‬14/‬11/‬1985، يكتب تحت عنوان أدباء وكتّاب من الإمارات، عن مبارك العقيلي ويصفه بأنه رائد من روّاد الأدب في الإمارات. ويتحدث فيه عن نشأة العقيلي وشعره وثقافته. وفي الجريدة نفسها في ‬21/‬11/‬1985، يكتب تحت عنوان مواصلة الحوار مع لجنة التراث موضوعاً عن البحث عن التراث يشير فيه إلى أنه قبل عام كتب في هذا الموضوع وتناول كتاب المفصل في تاريخ الإمارات، وأنه يواصل الحديث حول هذا الكتاب.

وفي ما قاله نقاط نتفق معه فيها ونخالفه في غيرها مع احترام وجهة النظر التي طرحها والتي أثبتت الدراسات اللاحقة على الموضوع قرب ما جاء في الكتاب من معلومات من الصحة. وفي عدد الخليج الصادر في ‬2 يناير ‬1986 تحت عنوان أدباء وكتّاب من الإمارات، عن الأديب عبد الله الصانع الأديب والشاعر الخليجي الكبير، ويصفه بأنه كان داعية إصلاح، فتضايق منه الإنجليز، وأبعدوه عن وطنه ـ الكويت ـ وتحدث عن نشأته، وشعره.

وفي التاسع من يناير ‬1986 يكتب تحت العنوان نفسه عن سالم بن علي العويس ويصفه بأنه شاعر الوطنية والقومية. وإنه كان في الطليعة بين الداعين إلى اليقظة القومية والوحدة الوطنية في الإمارات. واستعرض شيئاً عن حياته وشعره.

وفي الخليج ‬20/‬12/‬1975، ينشر مقالة بعنوان شاعر الجَمال والعشق والألم يتحدث فيها عن الشاعر أحمد أمين المدني ويشير إلى أن له فرادته وأثره في شِعر الإمارات، ويتحدث عن إنتاجه الأدبي وأسلوبه الشعري. وفي عام ‬1999 نشر بجريدة الخليج مقالة عن الأديب أحمد بن سلطان بن سليم عنونها بالآتي: (أبو سلطان أحمد بن سليم الأديب والسياسيّ الناصح)، وذكر أنه (عاش في الهند سنوات عدة وكان صديقاً لرئيسها مولانا أبو الكلام). وأشار إلى أنه تولى إذاعة الأخبار والبرامج العربية في إذاعة دلهي، وأنه أحب عُمان وتجول في ربوعها وكان شديد الإعجاب بالجبل الأخضر فيها. وأورد نبذة عن حياته وشعره.

وله في العلاقات الثقافية بين الإمارات والكويت مقالات إحداها ما عنونه بعبارة (تواصل ثقافي قديم بين الإمارات والكويت، وذكر دور كل من عبد الله الصانع وعبد اللطيف محمد المناعي، والقصائد المتبادلة بين ابن سليم والصانع، وما نشره العقيلي في مجلة الكويت عام ‬1927. وله عام ‬1999 في الخليج أيضاً مقالة بعنوان (الكويت والوجه المشرق للخليج) وأشار إلى جهود الكويت ومسيرتها الديمقراطية بدءاً من أول مجلس بلدي عام ‬1934.

 

مقالات ووثائق

وفي أحد الحوارات التي أجراها عبد الغفار حسين تقول المحاورة نجوم الغانم وهي تنقل حديثه عن مرحلة ما قبل النفط قوله (ليس كلّ من قرأ أو كتب كان مثقفاً. المثقف هو من ألمّ بأحوال مجتمعه). ويرى أن سالم بن علي العويس في طليعة من تناولوا هموم الإنسان في المنطقة. وذكر أن تلك المرحلة تركّز الاهتمام فيها على الشعر، وأن المثقفين طالبوا بالإصلاح واصطدموا بالتقاليد.

كما أن لعبد الغفار حسين مقالات أخرى اطلعتُ على بعضها لكن لم أجدها حالياً وأنا بصدد الكتابة فقد كتب عن صقر بن سلطان القاسمي، وسلطان العويس. ولعل مقالته التي عنونها (تاجر استهواه الشعر) هو ما جعل الأستاذ عبد الإله عبد القادر يستعير العنوان عنواناً لكتابه الذي أعده عن الشاعر سلطان العويس. وقد كتب عن غانم غباش وتريم عمران وعن حمد بوشهاب وأحمد أمين المدني. وله دراسات عن ابن حميد السالمي المؤرخ العماني وعن الشاعر العماني ابن عديم الرواحي. وعقد مقارنة بين الشاعر سالم بن علي العويس والشاعر العماني ابن شيخان السالمي. كما له كتابات في الأزمنة العربية بأسماء مستعارة:

عبد الموجود السيرافي، وعفراء بنت سيف. أما مراجعاته للكتب التي صدرت بالإمارات فقد نشرها في كتاب أُحيل القارئ للاطلاع عليها من الكتاب مباشرة. ومنها دراسات حول كتاب للدكتورة عائشة السيار وعيسى القرق وآخرين. وله مقالات عامة نُشرت في كتاب هموم وطنية تؤكد مساهماته المجتمعية.

 

احترام الثقافة

بالإضافة إلى الكشاكيل التي يتحفنا بها في شهر رمضان. وأعتقد أنه شخصية لها حضورها الأدبي والفكري ونشاطها الثقافي من خلال المشاركة في تأسيس ندوة الثقافة والعلوم، ورئاسة اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، والسعي لتأسيس جائزة العويس الثقافية. وبعدها رئاسة مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، ورئاسة جمعية حقوق الإنسان. عبد الغفار حسين تتفق معه أو تختلف في الرأي لكنك لا تملك إلا أن تحترمه. لأنه يجيد فن الحوار والاختلاف. يؤمن بالرأي والرأي الآخر. لا يحب مصادرة الرأي، ويكره مبدأ الإقصاء. يتقبل النقد ويدافع عن رأيه الذي يعتقد أنه صواب. وإذا ما أدرك أنه على خطأ فلا مانع لديه من الاعتراف بالخطأ والاعتذار. هذا هو أبو نبيل الذي استحقّ التكريم.

 

تأسيس

ثقافة معرفية واسعة ساهمت في العمل الوطني العام

 

ساهم في تأسيس أول مكتبة عامة في الإمارات، مكتبة دبي العامة، وكذلك متحف الفهيدي، كما انه شارك في تأسيس مجلة (أخبار دبي)، وكان من أوائل كتابها. تولى رئاسة اتحاد الكتاب في الإمارات ‬1987 ــ ‬1991، وشارك مشاركة أساسية في تأسيس جائزة العويس الثقافية، كما تولى رئاسة مجلس أمناء هذه الجائزة لمدة ستة عشر عاما ونال تكريما من مؤسسة العويس الثقافية في العام ‬2008.

تولى رئاسة اتحاد الكتاب في الإمارات وهو عضو أيضا في ندوة الثقافة والعلوم. ويعتبر أول ناقد أدبي في الإمارات وأول كاتب تراجم. صدر له خمسة كتب وهي:

* تريم عمران، لمحات من حياته

* البردة المباركة ونهجها

*  قراءات في كتب من الإمارات

* سلطان العويس، الجائزة... والشعر

* هموم وطنية

* وهناك أكثر من مؤلف جاهز للطبع.

* حصل على جائزة مؤسسة تريم عمران التقديرية للرواد في المجال الثقافي عام ‬2007. وحصل على جائزة جمعية الصحافيين وذلك عن تأسيسه لمجلة المجمع.

*  له زاوية في الملحق الرمضاني لجريدة (الخليج) تجمع بين الأدب والتاريخ والنقد والتراث الإماراتي.

 

ضوء

أبونبيل في سطور

 

عبد الغفار حسين رجل أعمال وكاتب وأديب ولد في ديرة بدبي في العام ‬1935، درس في الكتاتيب ثم التحق بالمدرسة الاحمدية وتعلم على يد نفر من شيوخ الدين «المطاوعة» علوم العربية وشيئا من الحساب والعلوم الدينية، شغف بالقراءة وجمع الكتب وقرأ في الأدب والتاريخ وسير الكتاب القدامى والمحدثين. ساهم في بعض اللجان التمهيدية لقيام اتحاد الإمارات العربية المتحدة أثناء مشروع الاتحاد التساعي كلجنة البلديات والأراضي والأملاك والأعلام، كما ساهم في تأسيس أول مكتبة عامة في الإمارات ـ مكتبة دبي العامة ـ وكذلك متحف الفهيدي بدبي بالإضافة إلى مشاركته الفاعلة في تأسيس مجلة (أخبار دبي) وكان من أوائل كتابها.

وصل إلى منصب نائب مدير البلدية، بدرجة مدير، ومثـّل البلدية في عدة مؤتمرات وندوات عالمية وعربية عن البلديات، والتحق بدورات دراسية في الحكم المحلي من مصر وبريطانيا، وشغل منصبه في البلدية طوال ‬22 عاماً حتى استقال في سبتمبر ‬1979 ليزاول أعمالاً تجارية وصناعية خاصة. في الثاني من فبراير عام ‬2011 قلدّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم، حفظه الله، وشاح محمد بن راشد على انجازاته وعطاءاته في خدمة المجتمع والإنسان والمشاركة في الأعمال الإنسانية والأنشطة الاجتماعية.