ساهمت عوامل عديدة في تهميش اللغة العربية وإقصائها من دائرة التطور. قد يشاركني الكثيرون الرأي في أن اللغة العربية أضحت غريبة في موطنها، دخيلة على شعبها بل حتى أسيرة لحروفها. نعيد طرح السؤال عينه على أنفسنا كما طرحه سلامة موسى وطه حسين وغيرهما في أوائل الثلاثينات والأربعينات: لماذا تتدهور اللغة وتندثر ثقافتنا العربية؟ نتساءل عن السبب فتجدنا صوب تيار من العوامل المتباعدة الأطراف. نحاول تلخيص حلول ملائمة لمعالجة هذه القضية فتجدنا نتخبط في دوامة متشابكة، نغار، نتألم، نيأس ثم نترك الأمور تسير على نفس الوتيرة السابقة. إذا أردنا أن نحيط بماهية المشكلة وحدودها فمن اللازم أن نتفادى التبسيط المجحف. علينا النظر إلى مختلف الأوجه والعوامل البيداغوجية، السوسيولوجية والسياسية التي ساهمت في تدهور دور اللغة في المجتمع العربي.
من المسؤول؟
من الصعب بمكان تصويب أصابع الاتهام إلى شخص أو جهة معينة واتهامها بالتقصير أو العجز عن خلق التربة الخصبة التي ستخول للغة العربية بأن تتجدر وتنمو. عموما، مشكلة اللغة العربية عويصة ومعقدة ليست وليدة الصدفة أو ترتبت على حالة طارئة غير متوقعة، بل ساهمت في تكوينها عوامل داخلية وخارجية اشتدت ضراوتها مع مرور الوقت وتجاذبت مسؤوليتها جهات متعددة. يلقى اللوم أحياناً على صناع القرار لعجزهم أو تقاعسهم عن خلق سياسات تعليمية رزينة ومفهومة. أحياناً أخرى يلقى اللوم على عاتق رجال التعليم إما لعدم امتلاكهم المؤهلات البيداغوجية والمعرفية الكفيلة للتلقين والتدريس، وإما لإحباطهم النفسي الناتج عن الضغوطات الاجتماعية والمادية التي تحول بينهم وبين القيام بمهامهم على أحسن وجه. أما في أغلب الأحيان فاللوم كل اللوم يلقى على التلاميذ لأسباب عديدة سأسهب في شرحها.
مناهج تدريس اللغة العربية لا تتلاءم البتة وواقعنا المعاش- تلقن اللغة اليوم بنفس المنوال الذي كانت تدرس به في أوائل القرن الماضي بالحفظ وليس الفهم، بالترهيب وليس الترغيب، بالجبر ليس الاختيار.
يهاب التلميذ معلمه كما يهاب قواعد سيبويه المبهمة في الإعراب. ينفر من حفظ أشعار المتنبي والفرزدق التي لا يستوعب عقله الفتي حرفاً منها. في سنه المبكرة، يجد التلميذ اللغة العربية بقواعدها المبهمة وأشعارها المرموزة كابوساً يلحقه باستمرار. يجدها حملاً ثقيلاً يعجز كاهله الفتي عن تحمله. ينسلخ اهتمامه عنها ولا تعد أن تكون مادة عويصة يحاول جهد الإمكان التملص من واجباتها. ونتساءل: لماذا ينفر شباب اليوم من تعلم اللغة العربية؟ لماذا لا يطالع شباب اليوم الكتب العربية؟
يسأل المعلم نفس السؤال ويضمر في خجل الجواب في نفسه. يجد نفسه في مأزق لا يحسد عليه. أمامه صف من أربعين تلميذاً أو أكثر. يحاور نفسه ويقول: أية عدالة هذه؟ راتبي الشهري يوازي أجر الحلاق ومهمتي تتطلب تكوين جيل بأكمله. كيف ألقن هذا الفصل قواعد اللغة، الصرف، النحو، الجغرافيا، التاريخ وهمومي الشخصية أثقل من جبل؟ ما الجدوى من حشو أذهانهم بجمع التكسير وتاء التأنيث الساكنة التي لا محل لها من الإعراب؟ وأنا لا أرى فيها فائدة تذكر؟ يترجل المعلم، يكظم غيظه وتذمره ويمارس مهنته رغم أنفه شاكياً لله من صمموا هذه المناهج التعليمية دون استشارته.
استعمار آخر
يلج التلميذ صف اللغة الانجليزية فيجدها متنفساً واسعاً ينسيه كابوس تجربة صف العربية. تلقى الانجليزية بأساليب حديثة تثير انتباهه وتسترعي اهتمامه. لا إعراب، لا أشعار غامضة، ولا قواعد مبهمة. معلم الانجليزية عكس معلم العربية إنسان وديع يشرح الدرس ببشاشة ولا يفتأ يشجع التلاميذ على النطق السليم والكتابة الصحيحة لمفردات اللغة بمساعدة أشكال وألوان فنية، وحتى الرسوم المتحركة الناطقة بالانجليزية تحبب اللغة إلى القلب وتقرب الثقافة الانجليزية إلى الذهن. ونتساءل لماذا ينفر شباب اليوم من اللغة العربية ويميل إلى اللغات الأجنبية الأخرى؟!
اكتسحت اللغة الانجليزية اليوم العالم بأسره. أضحت لغة التواصل، لغة الصفقات التجارية ولغة العلم. ونتساءل ما حظ اللغة العربية في هذا الإطار؟ بماذا استفادت من العولمة؟ وكيف استثمرت وسائل الاتصال الحديثة لتعزيزها ونشرها. تسلق العرب سلم العولمة بجميع مظاهرها ونسوا الفرق الهائل بينهم وبين بقية دول العالم المتقدمة. وقفوا مدهوشين كزوار في عالم شيدته التقنية الحديثة، عالم شيد في غيابهم التام عن ساحة التطورات في الميادين العلمية الثقافية والتكنولوجية. فما لبثوا إلا أن اعتنقوا كل ما هو غربي شكلاً ومحتوى ليرقى بهم في صفوف التقدم. نسوا أن أساسهم الثقافي واللغوي هش لا يحتمل ثقل العولمة.
لقد كانت معظم الدول العربية تحت وطأة الاحتلال الانجليزي، الفرنسي أو الاسباني لعقود طويلة. لم تكن الشعوب العربية بأرواحها وبثرواتها الطبيعية الفريسة الوحيدة لقوى الاحتلال. بل كذلك كانت اللغة والثقافة العربية. أقحمت اللغات الأجنبية في هذه البلدان وطمست أو لنقل حُنطت اللغة العربية وما زالت ليومنا هذ على نفس الحال. بعد جلاء الاستعمار العسكري المباشر حرص المستعمر على تعويضه باستعمار أقل عنفاً لكن أكثر ضراوة وأطول تأثيراً: الاستعمار اللغوي والثقافي.
أين الحلول؟
من جهة أخرى، تعمقت الازدواجية بين العربية الفصحى واللهجات الأخرى المنطوقة في البلدان العربية. اضمحل دور الأولى وارتقت الثانية على حسابها وانفردت اللغات الانجليزية وغيرها باحتلال الصدارة. يعتقد البعض أن ظاهرة تفشي اللهجات المختلفة الإيقاعات الصوتية والبنيوية هو العائق الأول والأخير لتعليم لغة عربية فصحى. فالمصري، التونسي والإماراتي ينطقون لهجات تختلف شكلاً ومضمونا عن بعضها البعض. يتخذ هذا عذراً للجمود اللغوي وترك الأشياء تسير على هذه الوتيرة البطيئة. في الحقيقة لا يوجد مجتمع يستعمل لغة واحدة. المستويات الدراسية واللغوية متفاوتة بشدة في جميع المجتمعات البشرية لكن الاعتراف والحفاظ على لغة رسمية موحدة هو ما يميزهم عن الدول العربية.
نظرة للماضي وارتقاب للمستقبل
كل شخص غيور على ثقافته ولغته سيستشعر مرارة الوضع الذي تعيشه اللغة العربية في الوقت الراهن. سيلتمس خيوط الإشكالية المتشابكة ويتساءل: ما العمل؟ لا شعورياً أو حتى شعورياً سيرجع بذاكرته إلى الوراء. سيتغنى بجمالية وسلاسة مؤلفات العرب قبل وبعد العصر الجاهلي. سيفخر بإنجازاتهم الأدبية، بفصاحة لسانهم وسيتناسى الحاضر ويقول: «كنا خير أمة أخرجت للناس» عندها يعود بذاكرته للحاضر ويتذكر أن أغلبية شباب اليوم عاجزون كل العجز عن كتابة جملة صحيحة بالعربية. سيستحوذ عليه اليأس فيدخن سجائر الأمل لتهدئة حدة الموقف ويحجب دخان التفكير بالمستقبل ولو للحظات قليلة.
ما الحل؟ سؤال صارخ. نجلس أمه حائرين. هل نصلح مناهجنا التعليمية ونعيد تكوين أساتذة ومعلمي العربية؟ ألم نتأخر كثيراً عن هذه الخطوة؟ أليست هذه أجزاء صغيرة جداً من المشكلة؟ في رأيي، في غياب رغبة قومية موحدة لإصلاح الأضرار التي لحقت باللغة أرى من المستحيل التطلع إلى مستقبل أفضل لهذه اللغة. نحتاج إلى خطة منهجية ومدروسة تتوحد فيها جميع الدول العربية للإلمام بجميع خيوط الإشكالية ووضعها في مساق موحد. مع أخذ التحديات التي فرضها النظام العالمي الجديد بعين الاعتبار. وفي غياب هذه الرغبة أرى من شطط القول الحلم بغد أفضل لهذه اللغة والثقافة.
