لعل أبرز تأثيرات الثورة المعلوماتية على الثقافة العربية أنها أفرزت «عالماً ثقافياً موازياً»، هكذا افتتح التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية في الفصل المخصص لهذا الموضوع الحيوي، لكن رياح التكنولوجيا ليست كلها مريحة، فقد باتت تشكل تهديداً للهوية، لكن التواصل الرقمي لا ينقطع، عبر شبكات الانترنت في العالم العربي. والسؤال المطروح هو: كيف يمكن توظيف تكنولوجيا المعلومات في عمليات التنمية الثقافية؟

 

استطلاع مؤسسة الفكر العربي

قامت مؤسسة الفكر العربي باستطلاع عينة، وصمم فريق البحث مصفوفة للكلمات المفتاحية مكونة من ‬54 كلمة مفتاحية تغطي ‬20 فرعاً من فروع الثقافة. وتم تتبع سلوك مستخدمي الانترنت حيال ‬12 من القضايا الثقافية المثارة على الساحة لقياس مدى الإقبال على استخدام الانترنت في الحصول على منتج ثقافي يتعلق بهذه القضايا بغرض استهلاكه، وهي(إصلاح سياسي، فكر عربي، تنوير، مذهبية، حقوق الإنسان، ديمقراطية، حرية ، إسرائيل، أميركا، طائفية، فلسطين، عربي.

وتم دمج الملفات وتخفيضها إلى ‬20 ملفاً إحصائياً تمثل الفروع الثقافية الرئيسية وهي(ثقافة، مؤسسات ثقافية، فن تشكيلي، فنون، مسرح، سينما، نشر، آثار، تمثيل، موسيقى، غناء، تراث، صحافة، أدب، كتب، كتاب، شعر، مكتبات، منتديات ثقافية، معارض كتب، فكر). تتوافر لبرامج التنمية الثقافية في العالم العربي حالياً مساحة معقولة من البنية المعلوماتية. وهناك مؤشرات دالة على وجود مهارات وقدرات عربية في هذا المجال. على الرغم من أن شرائح عديدة لا تزال محرومة من هذه التقنيات، إذ هناك ارتباط شديد بين التنمية الثقافية ومقومات البيئة الإبداعية السائدة. وفي هذا الإطار يشكل الوضع المتدني لنظم التعليم في العالم العربي تحدياً أمام التوظيف الثقافي للبنية المعلوماتية. ومعظم الدول العربية مصنفة على أنها إما شديدة الفقر أو فقيرة أو متوسطة. ويشكل تدني عدد الحاسبات العربية تحدياً لا بد من الانتباه إليه في جهود التنمية الثقافية. ويضاف إلى ذلك، مجموعة من التشريعات فيما يخص الملكية الفكرية وقضايا الإبداع الثقافي وغيرها. وقد استفادت مئات المجتمعات، ومنها المجتمعات العربية، من إمكانات تقنية المعلومات والاتصالات. ولعل أهم ما في هذه الإمكانات، هو التشبيك في مجال النشر والإعلام والكتب والمكتبات والتراث، لفتح قنوات لتبادل المعارف والكتب في مختلف المجالات الرقمية والمستودعات الإخبارية والإعلامية التخيلية المفتوحة، ومستودعات النشر الرقمي والمدونات والشبكات الاجتماعية وغيرها، مما يتيح مواد ثقافية هائلة أمام المواطن العربي للنيل منها طوال الوقت بصورة مجانية أو بتكلفة زهيدة.

 

أي ثقافة رقمية يبحث عنها العرب؟

لم يظهر التواصل الإنساني عبر الوسائل الرقمية وخصوصاً، الانترنت فجأة، بل تشكل عبر رحلة طويلة من التطور المستمر. وهو يشكل أكبر وسيط للتواصل الرقمي. وبعد ولادتها، بدأت هذه الأدوات والتكنولوجيات تتطور وتتسع بسرعة مذهلة، بمجرد اكتساب المهارات البسيطة. فالملايين يتواصلون رقمياً. ولذلك يتيح التواصل الرقمي فرصاً لا محدودة في مجال التنمية الثقافية من خلال آفاق نشر الوعي الثقافي. ويذهب تقرير مؤسسة الفكر العربي إلى أن رياح التكنولوجيا تعصف بالثقافة فتحدث فيها تغييراً عميقاً. وفي توفر المواقع والمنتديات والمدونات والقوائم البريدية ومجموعات الفيس بوك واليوتيوب هي أوعية التواصل الرقمية الرئيسية التي يستخدمها العرب بفاعلية كبيرة. ويأتي محرك البحث غوغل على رأس محركات البحث المتاحة على الشبكة. وتمتد إلى عمليات أخرى مثل الاستهلاك الرقمي للسينما، والتواصل بين الجمهور رقمياً عبر تواصل الجمهور في فروع الثقافة: في مقدمتها السينما، والغناء والكتاب والشعر والموسيقى والأدب والصحافة والمسرح والتراث، وأخيراً المؤسسات الثقافية. ونشطت في الآونة الأخيرة، مواقع تنزيل الأفلام، وفي مقدمتها السينما المصرية وتليها السينما الهندية. ثم يأتي الاستهلاك الرقمي للغناء. ولا يمكن إهمال الاستهلاك الرقمي للشعر والتواصل مع الشعراء، ويتصدر محرك البحث الشاعر نزار قباني والمتنبي ومحمود درويش وخالد الفيصل وأحمد شوقي وسعاد الصباح وغيرهم.

 

استهلاك ثقافي عام بلا تمييز

داخل كل فرع من فروع الثقافة العشرين السابقة، ظهرت عمليات بحث استخدمت فيها كلمات عامة بلا تمييز ولا تحمل دلالة أو تصنيفا بعينه وقد شكلت ه‬1ه الطريقة في استهلاك الثقافة السمة الأكبر التي ميّزت السلوك الاستهلاكي لجمهور الانترنت، وهو يسعى للاستهلاك والتواصل رقمياً مع الثقافة بفروعها المختلفة. وقد كشفت التحليلات أن حدود انتشار هذه السمة الاستهلاكية وصلت إلى ‬173 و‬309 آلاف و ‬522 عملية بحث في المتوسط شهرياً، تشكل ‬54 بالمائة من إجمالي المتوسط الشهري لعلميات البحث. وفي كل فرع من فروع الثقافة توجد فروع أخرى أكثر تخصصاً، ففي فرع الأدب مثلاً هناك( أدب الأطفال، الأدب الشعبي، أدب الرحلات، الأدب المهجري، الأدب الساخر.. إلخ). وبين جمهور الانترنت العربي، نجد الكتاب والنص الأدبي يأخذ مكانة أفضل ويصمد أمام ترفيه الأغاني والأفلام، ولعل في ذلك إشارة إلى أنه لا تزال لدى جمهور الانترنت العربي نواة متماسكة تسعى لما هو أعلى قيمة في الأدب وترغب في استهلاكه والتواصل معه رقمياً.

أما قائمة كلمات البحث القُطرية والوطنية الأكثر استخداماً في الاستهلاك والتواصل الثقافي الرقمي فكانت السينما المصرية في الصدارة، يليها الغناء المصري، ثم الموسيقى الخليجية ثم الصحافة المصرية. وقد انعكس هذا التوجه العام نحو السعي للتواصل مع بعض النصوص الأدبية أو الشعرية بالاسم على عمليات البحث الفردية التي جرت على هذه الإبداعات وغيرها.

 

تواصل ضعيف بين المؤسسات والجمهور

تكشف هذه الأرقام عن وضع مؤسف للغاية يتمثل في الضعف الشديد في التواصل الرقمي القائم بين المؤسسات الثقافية الرسمية والعامة وجمهور الانترنت. فمتوسط عمليات البحث مخجل وتوزيعات الرقم على المؤسسات يتضح من إهمال ‬11 فرعاً ثقافياً أي أكثر من نصف فروع الثقافة التي خضعت للتحليل، وإذا ما أخذنا في نظر الاعتبار أن جمهور الانترنت بضم شريحة واسعة ممن حصلوا على درجة معقولة من التعليم ولديهم اهتمام واضح بالشأن العام، فالمؤشر يبدو ضعيفاً بين المواطن والمؤسسات الثقافية، وهو وضع خطير لأن الثقافة تتعامل في الأساس مع العقل والوجدان معاً. ولذلك يصبح من الضروري أن يكون هناك نوع من التواصل الجيد والمستمر والعميق بين المؤسسات الثقافية الرسمية والعامة المنوط بها إدارة قضايا وملفات ثقافية معينة. والجمهور على مستوى المواطن الفرد أو الجماعات المحلية والمهنية والقطاعية من جهة، وإذا غاب هذا التواصل تأثرت أوضاع الثقافة سلبياً بصورة حادة، ويخشى أن يكون هذا هو الحاصل بالفعل.

 

الموضوعات الأكثر إثارة لاهتمامات الجمهور الرقمي

 

تكشف الاستطلاعات إلى تراجع الاهتمام بقضية (الوحدة العربية) على صعيد التواصل الرقمي، حتى إنها بدت أقل من أن تصبح نكتة، وإجمالاً تعكس هذه الأرقام. وهو أن ثاني مسار للبحث عن (أميركا) يتعامل معها باعتبارها بلداً ينتج السيارات ويمكن الحصول منه على سيارات جديدة أو مستعملة أو تباع فيه السيارات. أما الاهتمام بالتواصل الرقمي حول (إسرائيل) أقل مقارنة بنظيره حول أميركا. ويتباين اهتمام العرب بإسرائيل على شبكة الانترنت، إذ يتصدر الاهتمام بممارسات إسرائيل العدوانية. ثم نالت قضية (الحرية) نسبة ضئيلة مثلها مثل (الديمقراطية) التي هي أسوأ من الاستهلاك والتواصل مع قضية (الحرية). وتكشف الأرقام أيضاً عن تأثير محدود للانترنت في الديمقراطية في العالم العربي. وأفسح الباحثون مجالاً أوسع لقضايا حقوق الإنسان لتحتل المركز الأول، ومنها قضايا مثل الإعلام وحقوق الإنسان والحريات العامة وحقوق الإنسان والقيود المفروضة. يتباين سلوك مستخدمي الانترنت في تواصلهم مع العديد من القضايا الكبرى التي شملها الرصد والتحليل، فبينما منح الجمهور قدراً كبيراً من التركيز والاهتمام بالقضايا الكبرى كما هو الحال مع قضية فلسطين، أظهر قدراً كبيراً واضحاً من الإهمال والانصراف مع قضيتي المذهبية والطائفية وقضايا أخرى مثل الحرية والديمقراطية والتنوير. وتكشف الأرقام أن المؤسسات المعنية بأمور الثقافة عربياً معزولة في شرنقة ضيقة تفصلها عن الغالبية الساحقة من جمهور الانترنت، وذلك بسبب ضعف حضور هذه المؤسسات على الشبكة. فضلاً عن تواضع علاقتها مع الجمهور في الواقع الفعلي. كما أظهر جمهور الانترنت العربي في بعض الأحيان انحيازاً وإقبالاً للعديد من الفروع الثقافية غير العربية ورموزها بشكل يفوق الثقافة العربية ورموزها. ومن الأمثلة البارزة في هذا الصدد التوجه نحو السينما الهندية والممثلين الأتراك. ويلحقها ظواهر أخرى مثل: ضعف التواصل مع القضايا ذات المنظور السياسي، ضعف التواصل مع الموروث الثقافي.