حدد التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية الصادر حديثاً عن مؤسسة الفكر العربي أهم العوائق التي تقف بوجه حركة التأليف والنشر في العالم العربي، وما وصل إليه في عام ‬2009. يقول التقرير: إن مستوى حركة التأليف والنشر في الوطن العربي ليس بأفضل من حال القراء لدى العرب، فمعدل القراءة، الذي يمثل عنصر الطلب، بالمصطلحات الاقتصادية، متدن إلى درجة لا يمكن معها تفعيل النشر والتأليف(أي العرض). ويبدو أنه ما زال من الصعب الحديث عن إمكانية التعويل على أن يخلق العرض الطلب في مجال القراءة والتأليف ونشر الكتب، ولاسيما مع التراجع الواضح في مستوى حركة النشر في البلدان العربية، والذي عبر عنه مدير معرض القاهرة الدولي للكتاب الثاني والأربعين، بالقول: إن حركة النشر في مصر وكل الدول العربية غير جيدة، والدليل على ذلك أن أكبر ناشر لا يجرؤ على طباعة أكثر من ‬3 آلاف نسخة من الكتاب، والبعض يطبع ‬500 نسخة.

 

حقيقة النشر

وهنا يطرح التقرير حقيقة النشر في العالم العربي، وأهم المشكلات التي تواجه الناشرين، وجدوى معارض الكتب للناشرين؟

وفي هذا المجال، يورد التقرير إحصائيات عن عينة تمثل ‬154 دار نشر تمثل معظم الدول العربية. وهناك دور لم تنتح سوى ‬10 كتب خلال العام ‬2009. والدور العربية مجتمعة نشرت نحو ‬2683 كتاب فقط، ومنها نحو ‬46 بالمائة طبع للمرة الثانية، فهي نسبة ضئيلة جداً إذا ما قورنت بإنتاج بلد واحد يفوق هذه الكمية. هذا بالنسبة للكتب الأدبية والاجتماعية والاقتصادية أما بالنسبة للكتب العلمية فهي ضئيلة للغاية. أما الكتب الأكثر رواجاً فهي الكتب الدينية عموماً، والتي تستحوذ على اهتمامات القراء. وهي الكتب الأقل إثارة للمشكلات مع السلطات، مقارنة بالكتب السياسية.

وحدد التقرير بان عام ‬2009 كان عاماً سيئاً مقارنة بالأعوام السابقة.

وما يتعلق بحركة الترجمة من اللغات الأجنبية، فإن إقبال القراء لا يتناسب مع جهود دور النشر في هذا المجال. وغالبية دور النشر لا تستلم أية معونات مالية لدعم نشر الكتب المترجمة. وتواجه دور النشر مشكلات عدة، بدءاً من عدم الاستعانة بمترجم متخصص، وعدم وجود قسم خاص بالترجمة في دار النشر المعنية. ولا يمكن أن تقوم دور النشر لوحدها بالنهوض بمشروعات الترجمة منفردة، لأن هذه المشروعات يجب أن تتبناها الدول والمؤسسات الثقافية الحكومية.

 

مشكلات تواجه عملية النشر

وعن علاقة الناشر بالمؤلف، أكد غالبية الناشرين على التعاقد مع المؤلفين بنظام ثابت لدفع حقوق المؤلف، وعادة ما تكون عن طريق المكافأة الشاملة أي أن تمتلك الدار المادة العلمية والحقوق والامتيازات كافة التي تترتب عنها بمجرد توقيع العقد مع المؤلف وإعطائه مكافأته. وهناك من أكد على أن الناشرين لا يلتزمون بدفع حقوق النشر للمؤلف. ومن ابرز المشكلات في هذا المجال، هو عدم حرص الناشرين على الإبداع القانوني الذي يشكل مؤشراً خطيراً.

وهناك عقبات كثيرة تواجه عملية نشر الكتاب في العالم العربي. وأبرز هذه المشكلات هي ارتفاع تكاليف الطباعة. وثانيهما الرقابة حيث تصل إلى حد مصادرة الكتب أحياناً، فضلاً عن المشكلات المتعلقة بصعوبة شحن الكتب ونقلها. واستند التقرير في ذلك على استطلاع قام به على عينة من الناشرين.

ويؤكد التقرير أن قلة الإنتاج العلمي في الوطن العربي، بحيث تبلغ نسبة المؤلفات العلمية ‬2,7 بالمائة مقارنة بالمجالات الإسلامية والأدبية والروايات.

وكذلك توخي دور النشر الربح بشكل أساسي وتحقيق نسبة مبيعات عالية، فهي تنشرها وفقاً لرغبة الناشر«الزبون»، وليس لخدمة العمل الثقافي.

وتدرك غالبية دور النشر أن الأسعار الحالية للكتب لا تناسب أغلب القراء.

 

كيف نصنع مجتمعاً قارئاً

وعن ماذا يقرأ العرب في العام ‬2009، يقول التقرير إن الكتاب ، كما يعتقد البعض، في طريقه أن يفقد مكانته المتميزة في الثقافة العربية منذ عرف العرب «الوراقين». ثم غياب ملحوظ للبيانات والأرقام والإحصاءات الرسمية اللازمة والضرورية للتعرف على حركة التأليف والنشر. وأهم الكتب تتركز في الميادين المعرفية المختلفة، منها ما هو فكري، ومنها ما انشغل بقضايا الهوية الدينية، والكتب الاقتصادية وكتب النقد الأدبي.

ويطرح التقرير السؤال التالي:

ما هي الموضوعات الأكثر جذباً للقراء العرب؟

فهل ما اهتم به هذا القارئ هو قضايا فكرية: فلسفية، دينية، سياسية، اجتماعية؟ ، ومن هذه النوعية كتاب «ان تكون عربياً» للكاتب عزمي بشارة.

الملاحظ غياب الاهتمام بالكتب العلمية والعلوم التطبيقية والفلسفة والفنون واللغة والبلاغة والسير والتراجم. وكذلك قلة المقروء والمعروض في مجالات العلوم والتكنولوجيا عموماً، وخصوصاً ما ينتج منها باللغة العربية.

فيما تنتشر الأعمال الروائية بما فيها من سرد أدبي يحتوي على عنصر التشويق والتسلية والمتعة. أما تقدم الكتابين التراثي والديني على سواهما، فمرده إلى ما يمكن تسميته «صحوة دينية» نتيجة ما تعرض له الإسلام من اتهامات بالإرهاب وغير ذلك كما يرى التقرير. إن التأليف في مجال العلوم النظرية التكنولوجيا والعلوم التطبيقية يحتل مرتبة متدنية بين عدد المنشورات التي لا تكاد تساوي بمجملها نسبة ضئيلة من إنتاج بلد متقدم.

ويخص التقرير المغرب العربي بجزء صغير حيث إن الجزائريين يقرأون الكتب بالفرنسية وجيل ما فوق سن الأربعين يقرأ بالفرنسية أكثر مما يقرأ بالعربية. وفي تونس والمغرب كثيرون يقرأون باللغتين العربية والفرنسية.

إن قراءة الأرقام والمؤشرات تضعنا في مواجهة تحديات خطيرة وأمام مسؤوليات كبيرة.

وفي النهاية، لا بد من التساؤل: كيف نصنع مجتمعاً عربياً قارئاً؟

تكون الإجابة من خلال تحديد عدد من العوامل التي يمكنها أن تلعب دوراً كبيراً في تنشيط عادة القراءة في المجتمع العربي، وبخاصة عند الشباب، ومنها ضرورة تنبه الأسر إلى تنمية عادة القراءة عند أبنائها، وضرورة قيام مؤسسات التعليم، من مدارس ومعاهد وجامعات، بالاهتمام بمكتباتها وتيسير سبل الاستعارة وعقد المسابقات الثقافية التي تحث على القراءة وارتياد المكتبات. فضلاً عن مسؤولية النخبة المثقفة في غرس عادة القراءة في المجتمع عن طريق إقامة الندوات والمحاضرات وغيرها.

 

كتب الإثارة

لرواج الكتب أسبابه، فالإباحية والإثارة الجنسية والاستفزاز الديني والسياسي والاجتماعي، والمتاجرة بالمنع الرقابي، من بين الأساليب التي تؤدي إلى الرواج ويسعى إليها مؤلفون وناشرون. وقد ظهر ذلك أكثر في ورايات عربية، وفي كتب تناولت الدين والسياسة بصورة سلبية. والكتاب المترجم أكثر رواجاً من الكتاب المؤلف في حالات كثيرة لدى شرائح واسعة من القراء العرب. وليس بالضرورة أن تكون الكتب الرائجة هي الكتب التي لها قيمة إبداعية. فهناك كتب اشتهرت ثم زالت. وهناك أمثلة كثيرة يوردها جابر عصفور مثل روايات«ذوبان الجليد» لأليا أهرنبورغ، و«دكتور زيفاكو» لبوريس باسترناك، و«شيفرة دافنشي» لداني براون، وغيرها اشتهرت ولكنها لا تصمد بوجه النقد مثل روايات أرنست همنغواي وجيمس جويس ومارسيل بروست.

على أية حال، يتحكم في الكتاب عنصرا الترويج والتعتيم، وذلك على أسس تجارية وإيديولوجية وحزبية وطائفية أحياناً. ولدينا في الكتب الأجنبية أمثلة بارزة على نجاح الترويج والدعاية والتسويق. على سبيل المثال، الترويج لكتاب«هاري بوتر» للبريطانية رولينغ. وهذا المثال يعلن «موت القارئ» باعتباره يكون لقمة سائغة في فهم العجلة التسويقية الهائلة.

 

الورقي والرقمي

لا يزال مستوى اقتناء الكتاب الرقمي متواضعاً على الرغم من كل التسهيلات التي وفرتها التكنولوجيا. وظهر أيضاً أن من يمتلكون جهاز كومبيوتر في منازلهم هم الأكثر تفضيلاً للكتاب المطبوع. ويؤكد التقرير إن البحث عن المعلومة التي توفرها وسائل الاتصال الحديثة شيء،وقراءة الكتاب الذي يسهم في تكوين العقل والروح وهندسة النفس البشرية وإعادة تكوينها شيء مختلف تماماً، وهي أمور رئيسية لا يحققها إلا التواصل الحيوي التام مع الكتاب بوعائيه الورقي والالكتروني.

 

أكثر الكتب التي قرأها العرب

 

 

 

‬1 ــ كتب في تأصيل الفكر:

؟ أن تكون عربياً في أيامنا، تأليف: عزمي بشارة/ مركز دراسات الوحدة العربية / بيروت.

؟ العقــل العربي ومجتمــع المعرفة مظاهر الأزمــة واقتراحـات الحلول، تأليــف : نبيل علي/ ســلســلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقــافــة والفنون الآداب/ الكويت.

؟ تصدع العقل العربي المعاصر، تأليف: كميل الحاج، دار الحداثة، بيروت.

؟ العلم والنظرة العربية إلى العالم . التجربة العربية والتأسيس العلمي للنهضة، تأليف: سمير أبو زبد، مركز دراسات الوحدة العربية/ بيروت.

؟ هندسة الطاغية، تأليف: بدر خضر، دار نينوى/ دمشق.

؟ المثقف، مدخل التعريف والأدوار، تأليف: زكي العليو، الانتشار العربي / بيروت.

 

‬2 ــ كتب في قضايا الدين والعقائد والطوائف:

؟ اللاهوت العربي وأصول العنف الديني، تأليف: يوسف زيدان، دار الشروق للطباعة والنشر/ القاهرة.

؟ إيران جمهورية إسلامية أم سلطنة خمينية، تأليف: مجموعة مؤلفين/ مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع/ مصر.

‬3 ــ كتب في الاقتصاد وهمومه:

؟ الأمــن الغذائــي العربي ــ مقارنــات إلى صناعــــة الجوع، تأليف: ســالم توفيـــق النجفي/ مركــز دراســــات الوحــدة العربيــة / بيروت.

؟ الفقر والفساد في العالم العربي، تأليف: سمير التنير/ الساقي/ بيروت.

؟ الثروة النفطية ودورها العربي، الدور السياسي والاقتصادي للنفط العربي، تأليف: عاطف سليمان/ مركز دراسات الوحدة العربية / لبينان.

؟ النظــام الإداري في عهـــد عمــر بــن الخطـــــاب، تأليف: فاروق مجدلاوي/ برنامج «ترجم» مؤســســة محمد بن راشــد آل مكتوم.

‬4 ــ كتب في النقد الأدبي:

؟ رواية الحرب اللبنانيــة، مدخل ونماذج، تأليــف: عبده وازن، دبي الثقافية، دار الصدى/ دبي.

؟ النقد الأدبي والهوية الثقافية، تأليف: د. جابر عصفور/ دبي الثقافية، دار الصدى، دبي.

؟ محمود درويش .. حالة شعرية، تأليف: صلاح فضل/ دار الصدى، دبي الثقافية/ دبي.

؟ فلسطين في الشعر المصري، تأليف: محمد سلمان/ الهيئة العامة للكتاب/ القاهرة.

 

‬5 ــ كتب مترجمة:

؟ العمامة والأفندي، سوسيولوجيا خطاب وحركات الخطاب الديني/ فالح عبد الجبار، ترجمة أمجد حسين/ منشورات الجمل/ بيروت.

؟ اختلال العالم .. حضارتنا المتهافتة، مترجم من الفرنسية، تأليف/ أمين معلوف/ دار الفارابي / بيروت.

؟ العرب والمحرقة النازية، حرب المرويات العربية الإسرائيلية/ تأليف: جلبير الأشقر، ترجمة: بشير السباعي/ المركز القومي للترجمة/ القاهرة بالتعاون مع دار الساقي/ بيروت.

 

إعداد ــ شاكر نوري

 

حدد التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية الصادر حديثاً عن مؤسسة الفكر العربي أهم العوائق التي تقف بوجه حركة التأليف والنشر في العالم العربي، وما وصل إليه في عام ‬2009. يقول التقرير: إن مستوى حركة التأليف والنشر في الوطن العربي ليس بأفضل من حال القراء لدى العرب، فمعدل القراءة، الذي يمثل عنصر الطلب، بالمصطلحات الاقتصادية، متدن إلى درجة لا يمكن معها تفعيل النشر والتأليف(أي العرض). ويبدو أنه ما زال من الصعب الحديث عن إمكانية التعويل على أن يخلق العرض الطلب في مجال القراءة والتأليف ونشر الكتب، ولاسيما مع التراجع الواضح في مستوى حركة النشر في البلدان العربية، والذي عبر عنه مدير معرض القاهرة الدولي للكتاب الثاني والأربعين، بالقول: إن حركة النشر في مصر وكل الدول العربية غير جيدة، والدليل على ذلك أن أكبر ناشر لا يجرؤ على طباعة أكثر من ‬3 آلاف نسخة من الكتاب، والبعض يطبع ‬500 نسخة.

 

حقيقة النشر

وهنا يطرح التقرير حقيقة النشر في العالم العربي، وأهم المشكلات التي تواجه الناشرين، وجدوى معارض الكتب للناشرين؟

وفي هذا المجال، يورد التقرير إحصائيات عن عينة تمثل ‬154 دار نشر تمثل معظم الدول العربية. وهناك دور لم تنتح سوى ‬10 كتب خلال العام ‬2009. والدور العربية مجتمعة نشرت نحو ‬2683 كتاب فقط، ومنها نحو ‬46 بالمائة طبع للمرة الثانية، فهي نسبة ضئيلة جداً إذا ما قورنت بإنتاج بلد واحد يفوق هذه الكمية. هذا بالنسبة للكتب الأدبية والاجتماعية والاقتصادية أما بالنسبة للكتب العلمية فهي ضئيلة للغاية. أما الكتب الأكثر رواجاً فهي الكتب الدينية عموماً، والتي تستحوذ على اهتمامات القراء. وهي الكتب الأقل إثارة للمشكلات مع السلطات، مقارنة بالكتب السياسية.

وحدد التقرير بان عام ‬2009 كان عاماً سيئاً مقارنة بالأعوام السابقة.

وما يتعلق بحركة الترجمة من اللغات الأجنبية، فإن إقبال القراء لا يتناسب مع جهود دور النشر في هذا المجال. وغالبية دور النشر لا تستلم أية معونات مالية لدعم نشر الكتب المترجمة. وتواجه دور النشر مشكلات عدة، بدءاً من عدم الاستعانة بمترجم متخصص، وعدم وجود قسم خاص بالترجمة في دار النشر المعنية. ولا يمكن أن تقوم دور النشر لوحدها بالنهوض بمشروعات الترجمة منفردة، لأن هذه المشروعات يجب أن تتبناها الدول والمؤسسات الثقافية الحكومية.

 

مشكلات تواجه عملية النشر

وعن علاقة الناشر بالمؤلف، أكد غالبية الناشرين على التعاقد مع المؤلفين بنظام ثابت لدفع حقوق المؤلف، وعادة ما تكون عن طريق المكافأة الشاملة أي أن تمتلك الدار المادة العلمية والحقوق والامتيازات كافة التي تترتب عنها بمجرد توقيع العقد مع المؤلف وإعطائه مكافأته. وهناك من أكد على أن الناشرين لا يلتزمون بدفع حقوق النشر للمؤلف. ومن ابرز المشكلات في هذا المجال، هو عدم حرص الناشرين على الإبداع القانوني الذي يشكل مؤشراً خطيراً.

وهناك عقبات كثيرة تواجه عملية نشر الكتاب في العالم العربي. وأبرز هذه المشكلات هي ارتفاع تكاليف الطباعة. وثانيهما الرقابة حيث تصل إلى حد مصادرة الكتب أحياناً، فضلاً عن المشكلات المتعلقة بصعوبة شحن الكتب ونقلها. واستند التقرير في ذلك على استطلاع قام به على عينة من الناشرين.

ويؤكد التقرير أن قلة الإنتاج العلمي في الوطن العربي، بحيث تبلغ نسبة المؤلفات العلمية ‬2,7 بالمائة مقارنة بالمجالات الإسلامية والأدبية والروايات.

وكذلك توخي دور النشر الربح بشكل أساسي وتحقيق نسبة مبيعات عالية، فهي تنشرها وفقاً لرغبة الناشر«الزبون»، وليس لخدمة العمل الثقافي.

وتدرك غالبية دور النشر أن الأسعار الحالية للكتب لا تناسب أغلب القراء.

 

كيف نصنع مجتمعاً قارئاً

وعن ماذا يقرأ العرب في العام ‬2009، يقول التقرير إن الكتاب ، كما يعتقد البعض، في طريقه أن يفقد مكانته المتميزة في الثقافة العربية منذ عرف العرب «الوراقين». ثم غياب ملحوظ للبيانات والأرقام والإحصاءات الرسمية اللازمة والضرورية للتعرف على حركة التأليف والنشر. وأهم الكتب تتركز في الميادين المعرفية المختلفة، منها ما هو فكري، ومنها ما انشغل بقضايا الهوية الدينية، والكتب الاقتصادية وكتب النقد الأدبي.

ويطرح التقرير السؤال التالي:

ما هي الموضوعات الأكثر جذباً للقراء العرب؟

فهل ما اهتم به هذا القارئ هو قضايا فكرية: فلسفية، دينية، سياسية، اجتماعية؟ ، ومن هذه النوعية كتاب «ان تكون عربياً» للكاتب عزمي بشارة.

الملاحظ غياب الاهتمام بالكتب العلمية والعلوم التطبيقية والفلسفة والفنون واللغة والبلاغة والسير والتراجم. وكذلك قلة المقروء والمعروض في مجالات العلوم والتكنولوجيا عموماً، وخصوصاً ما ينتج منها باللغة العربية.

فيما تنتشر الأعمال الروائية بما فيها من سرد أدبي يحتوي على عنصر التشويق والتسلية والمتعة. أما تقدم الكتابين التراثي والديني على سواهما، فمرده إلى ما يمكن تسميته «صحوة دينية» نتيجة ما تعرض له الإسلام من اتهامات بالإرهاب وغير ذلك كما يرى التقرير. إن التأليف في مجال العلوم النظرية التكنولوجيا والعلوم التطبيقية يحتل مرتبة متدنية بين عدد المنشورات التي لا تكاد تساوي بمجملها نسبة ضئيلة من إنتاج بلد متقدم.

ويخص التقرير المغرب العربي بجزء صغير حيث إن الجزائريين يقرأون الكتب بالفرنسية وجيل ما فوق سن الأربعين يقرأ بالفرنسية أكثر مما يقرأ بالعربية. وفي تونس والمغرب كثيرون يقرأون باللغتين العربية والفرنسية.

إن قراءة الأرقام والمؤشرات تضعنا في مواجهة تحديات خطيرة وأمام مسؤوليات كبيرة.

وفي النهاية، لا بد من التساؤل: كيف نصنع مجتمعاً عربياً قارئاً؟

تكون الإجابة من خلال تحديد عدد من العوامل التي يمكنها أن تلعب دوراً كبيراً في تنشيط عادة القراءة في المجتمع العربي، وبخاصة عند الشباب، ومنها ضرورة تنبه الأسر إلى تنمية عادة القراءة عند أبنائها، وضرورة قيام مؤسسات التعليم، من مدارس ومعاهد وجامعات، بالاهتمام بمكتباتها وتيسير سبل الاستعارة وعقد المسابقات الثقافية التي تحث على القراءة وارتياد المكتبات. فضلاً عن مسؤولية النخبة المثقفة في غرس عادة القراءة في المجتمع عن طريق إقامة الندوات والمحاضرات وغيرها.

 

كتب الإثارة

لرواج الكتب أسبابه، فالإباحية والإثارة الجنسية والاستفزاز الديني والسياسي والاجتماعي، والمتاجرة بالمنع الرقابي، من بين الأساليب التي تؤدي إلى الرواج ويسعى إليها مؤلفون وناشرون. وقد ظهر ذلك أكثر في ورايات عربية، وفي كتب تناولت الدين والسياسة بصورة سلبية. والكتاب المترجم أكثر رواجاً من الكتاب المؤلف في حالات كثيرة لدى شرائح واسعة من القراء العرب. وليس بالضرورة أن تكون الكتب الرائجة هي الكتب التي لها قيمة إبداعية. فهناك كتب اشتهرت ثم زالت. وهناك أمثلة كثيرة يوردها جابر عصفور مثل روايات«ذوبان الجليد» لأليا أهرنبورغ، و«دكتور زيفاكو» لبوريس باسترناك، و«شيفرة دافنشي» لداني براون، وغيرها اشتهرت ولكنها لا تصمد بوجه النقد مثل روايات أرنست همنغواي وجيمس جويس ومارسيل بروست.

على أية حال، يتحكم في الكتاب عنصرا الترويج والتعتيم، وذلك على أسس تجارية وإيديولوجية وحزبية وطائفية أحياناً. ولدينا في الكتب الأجنبية أمثلة بارزة على نجاح الترويج والدعاية والتسويق. على سبيل المثال، الترويج لكتاب«هاري بوتر» للبريطانية رولينغ. وهذا المثال يعلن «موت القارئ» باعتباره يكون لقمة سائغة في فهم العجلة التسويقية الهائلة.

 

الورقي والرقمي

لا يزال مستوى اقتناء الكتاب الرقمي متواضعاً على الرغم من كل التسهيلات التي وفرتها التكنولوجيا. وظهر أيضاً أن من يمتلكون جهاز كومبيوتر في منازلهم هم الأكثر تفضيلاً للكتاب المطبوع. ويؤكد التقرير إن البحث عن المعلومة التي توفرها وسائل الاتصال الحديثة شيء،وقراءة الكتاب الذي يسهم في تكوين العقل والروح وهندسة النفس البشرية وإعادة تكوينها شيء مختلف تماماً، وهي أمور رئيسية لا يحققها إلا التواصل الحيوي التام مع الكتاب بوعائيه الورقي والالكتروني.