مما لا شك أن رصد مؤسسة الفكر العربي لما صدر من روايات وشعر وأحداث لها صلة بهذين الإنتاجين، من شأنه أن يقيم حركة عام كامل من الإبداع الروائي والشعري. فهي تجمع بين الإحصائية والتوثيقية، يوازيها عمل تحليلي.

ولعل من المفيد أن تطرح المؤسسة السؤال الجوهري التالي:

هل يمكن استخلاص ملامح ثقافية عامة خلال فترة زمنية تتمثل هنا في سنة كاملة؟

يؤكد التقرير أن «زمن الرواية»، وهي الصفة التي أطلقت على المرحلة الأدبية الراهنة التي تهيمن فيها الرواية على المشهد الإبداعي العربي، فالعام ‬2009 قد يكون عاما للرواية لكنه أيضاً عاماً للشعر، خاصة عبر المهرجانات والسجالات التي شهدها العام. إن عدد الدواوين التي صدرت في العام المعني ليس أقل بكثير من عدد الروايات.

ويفرّق التقرير بين المؤلفين الذين ينشرون أعمالهم على نفقتهم الخاصة، تظل غير مبرمجة للإحصاء. فما نشر في هذا العام من الروايات يتخطى ‬300 رواية على الرغم من صعوبة الدقة في هذا المجال. وفي المشهد الروائي يتآخى الرواد والمخضرمون والشباب. وبولادة جائزة «البوكر العربية» في ‬2007 ، حركّت أجواء الرواية، ولكنها لم تخل من بعض اللغط والاثارة من خلال انسحاب الناقدة المصرية شيرين أبو النجا من عضوية لجنة تحكيم الجائزة معتبرة أنه لم تكن هناك معايير واضحة أو مقاييس نقدية يتكئ عليها أعضاء لجنة التحكيم، وفازت بها رواية بهاء طاهر «واحة الغروب» لتمنح الجائزة مصداقية أدبية.

سجل الرواية

ولم يقتصر سجال الجوائز الروائية على جائزة بوكر بل تعداها إلى جائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأميركية في القاهرة والتي باتت إحدى أهم الجوائز الأدبية عربياً. وقد فاز بالجائزة خليل صويلح عن روايته «ورّاق الحب». ويشهد العام عودة الروائي يحيى حقي، من خلال طابع بريدي حمل صورته غداة انعقاد «الملتقى الإبداعي الأول للبريد المصري». كما احتفى بما سميّ «الأدب البريدي» الذي كان من روّاده المحدثين الروائي إبراهيم أصلان.

وشهد عام ‬2009 غياب الروائي السوداني الطيب صالح وأسطورته مثلما فعلت «موسم الهجرة إلى الشمال» أسطورة الأدب العربي الحديث. رحل الطيب صالح وفي نيّته أن يكتب سيرته لكن ظروفه لم تساعده، فاكتفى بنشر كتاب عنوانه «منسي: إنسان نادر على طريقته» ومن خلاله تتبدى بعض معالم تلك السيرة الحافة بالأحداث والوقائع الطريفة.

وفي العام نفسه، شهدت الساحة لأدبية في المغرب سجالاً حول رواية الكابت الراحل محمد زفزاف «محاولة عيش» على إثر مقال نشرته إحدى الصحف المغربية، تدعو فيه إلى حذف هذه الرواية من المقرر الدراسي. وكانت وزارة التربية الوطنية المغربية قد اعتمدت هذه الرواية قبل أعوام في المنهج التعليمي. هذه الدعوة أكثر من سؤال حول توقيت هذا الموقف السلبي من رواية يعتبر صاحبها واحداً من أعلام الأدب المغربي.

فيما تمت ترجمة جميع ماكتب أمين معلوف في زاويات بالفرنسية إلى اللغة العربية وحققت نجاحاً عند القراء.

الرواية الخليجية

خلال العام ‬2009 ارتفعت أصوات في مؤتمرات روائيّة أقيمت في الإمارات والسعودية تدعو لإقامة تجمّع للرواية الخليجية أو الروائيين الخليجيين، لا سعياً إلى الانفصال عن الروابط التي تجمع الروائية الخليجية والرواية العربية وإنما ترسيخاً للنتاج الروائي الخليجي والخصائص التي يتميّز بها. ومهما اختلفت الآراء وتضاربت الأفكار، فإن الواقع الثقافي العربي يؤكد وجود رواية عربية واحدة تحت مظلة واسعة وملونة، تقدّم مادتها الإبداعية النابعة من بيئاتها. وهذا لا يمنع وجود رواية خليجية عربية، قدّمت عوالمها بخصوصيّة تلك العوالم، وظروفها الاجتماعية، المتشابهة إلى حدّ ما، مثلما قدّمت رواية أي بلد عربي عوالمها. ومهما يكن من أمر، فإن أبناء الخليج هم الأقدر على أن يعبّروا عن تاريخ بيئاتهم وطبيعتها وجمالها وهمومها ومنعطفاتها من خلال الجنس الأدبي، وبرزت ليلى العثمان في هذا العام لتسجل وعي المرأة الخليجية بالمشكلات المحيطة بها. وتحول الأدب السعودي إلى مادة سجالية حيث شهدت الرياض أضخم مؤتمر للأدباء السعوديين، نظمته وزارة الثقافة. ولم يخل المؤتمر من ملاحظات نقدية سجلها أدباء سعوديون، لكن المؤتمر أعتبر حدثاً ثقافياً كبيراً.

وبالإمكان القول إن العام المذكور كان عام عودة الروائية اللبنانية الرائدة ليلى بعلبكي، تلك التي تنتمي إلى جيل الرواية النسّائية الحديثة والرائدة عربياً. وتكمن أهمية عودتها في كونها غابت ربع قرن هو عمر الحرب اللبنانية التي اندلعت في العام ‬1975 وكانت سبباً رئيساً في اعتزالها، هي التي تعتبر بحقّ نجمة من نجوم الكاتبات العربيات الاستثنائيات في القرن الفائت. ففي الدورة الأخيرة لمعرض الكتاب في بيروت، أطلت ليلى بعلبكي على قرائها ووقّعت كتبها لهم، وأحاطها النقّاد والصحافيون بالكثير من المودّة والاحتفاء لكنها رفضت أن تجري أي حوار.

المشهد الشعري ورحيل محمود درويش

عرف المشهد الشعري العربي في العالم ‬2009 صخباً كبيراً، من تجلياته السجال الذي دار في بيروت ورام الله حول ديوان محمود درويش «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي». وقد صدر في الذكرى الأولى لرحليه. ولم يكن الشاعر قد وضع لمساته الأخيرة عليه، بل لعّله لم يكن يشاء نشره ما دام لم يكتمل وما دامت بضع قصائد في غير منجزة. لكن سّر محمود درويش قائم في أنه كلّما أحسّ أن النهاية تتهدّده، شرع في بداية جديدة. إنه شاعر البدايات الدائمة إذاً، البدايات التي تظل تعقبها بدايات حتى ولو اكتسبت طابع المغامرة الجريئة أو الخطرة.

وشهدت القاهرة سجالاً شعرياً حاداً أيضاً تمثّل في إقامة مهرجانين للشعر كانا على تنافس واضح الأول أقامه المجلس الأعلى للثقافة وعلى رأسه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي وكان عنوانه «المشهد الشعري الآن». وفيه تم استعباد معظم الأصوات الشعرية الشابة في مصر والعالم العربي. ولاسيما شعراء قصيدة النثر التي كان وصفها حجازي بـ«القصيدة الخرساء» وبدا المهرجان المذكور هذا ذا طابع رسمي وقد موّلته وزارة الثقافة واحتل الشاعر حجازي موقع القرار. والثاني أحياه شعراء مصريون وعرب شباب تحت عنوان «الملتقى الأول لقصيدة النثر» وكان السجال بين المهرجانين أن يتّخذ طابع الصراع بين تيارين أدبيين. كما شهدت دمشق سجالاً سرعان ما اتخذ طابعاً عربياً، دار حول الشاعر محمد الماغوط بعدما تم نشر أعمال له مجهولة كتبها في مطلع شبابه، ونشرها في صحافة الحزب السوري القومي الاجتماعي.

أحداث مهمة

ومن الأحداث الشعرية اللافتة فوز الشاعر المغربي الذي يكتب بالفرنسية عبد اللطيف اللعبي بجائزة غونكور الشعرية الفرنسية، وبدا هذا الحدث عربياً لأن اللعبي حاضر في الشعر الفرانكوفوني، ثم لأنه في شعره هذا لم يكتب إلا عن الذات المغربية التي تملأ كيانه.

كما شهد العام عودة الشاعر توفيق صايغ الى الواجهة عبر الكتاب السجالي الذي وضعه عنه الشاعر العراقي سامي مهدي، وعنوانه «تجربة توفيق صايغ الشعرية» ومنذ صدور الكتاب، انقسم النقّاد حوله بين مؤيد أو رافض. كما شهد العام الاحتفال التونسي والمغاربي والعربي بالذكرى المئة لولادة الشاعر أبو القاسم الشابي وكانت هذه الذكرى فرصة ملائمة لاستعادة عصر النهضة الشعرية التي كان الشابي أحد أعلامها الكبار على الرغم من رحيله المبكر. وقد وصف الشاعر الشابي بأنه شاعر وجداني وصاحب لفطة سهلة قريبة من القلوب. ولعل قصيدته «إرادة الحياة» هي من أشد القصائد العربية شهرة وترددها الأجيال، ولعل التونسيون تذكروا هذه القصيدة في أحداث التغيير الأخيرة.

ودخل السعر العربي القديم والمعاصر العصر الالكتروني وبات الإصدارات الالكترونية لموسوعات الشعر العربي تتوالى.

دبي.. تشهد أضخم مهرجان شعري

وعلى صعيد المهرجانات، كان من المفاجئ أن تنظم إمارة دبي أضخم مهرجان شعري عربي وعالمي في وقت واحد. وعندما باشر بيت الشعر في دبي الإعلان عن المهرجان، طرح سؤالاً أساسياً: هل سيتمكن مهرجان دبي العالمي للشعر من منافسة المهرجانات العالمية الأخرى مثل مهرجان ميديين في كولومبيا وهو يُعد الأضخم عالمياً، أو مهرجان روتردام في هولندا الذي يسعى كل سنة إلى رسم صورة بانورامية للشعر في العالم.