الغناء العربي، «الموال» الذي كان يطرب الأذن، ويشجي النفس، وينعش الروح، أصبح في غرفة الإنعاش تحت مشرط الدخلاء، وأنصاف المواهب، ومطربات الإغراء؛ فكانت النتيجة الطبيعة مولوداً مشوه المعالم، وقوس قزح متضارب الألوان، يفتقد الصوت العذب، والنص الجميل، واللحن المتميز؛ ثلاثية الطرب والمغني الذي شنف الأذن العربية من محيطها إلى خليجها، وأطربها حتى النخاع.
والمتأمل في مشهد الغناء العربي الحالي يجد «جعجعة» أكثر منها طرباً، أبطالها مطربات يغنين لـ «الحنطور»، ومطربون يتعاطفون مع «الحمار»، وهكذا صارت الأغنية العربية كأنها في «حديقة حيوانات» تتجاهل الماء والخضرة والوجه الحسن، وتقع في غرام الحيوانات.
إذن نحن أمام حالة متردية تتطلب تدخلاً عاجلاً لتشخيصها، ومن ثم بترها، حتى لا يصاب جسد الغناء العربي بما لا يحمد عقباه؛ وربما معرفة المسؤول عن هذا السقوط الذريع جزء من الحل والتشخيص، وهذا ما طرحته مؤسسة «الفكر العربي» في تقريرها العربي الثالث للتنمية الثقافية، حيث تساءلت عن: «من المسؤول عن تدهور الأغنية العربية لعام 2009؟»؛ مؤكدة في تقريرها أن ملامح الأغنية العربية أصابها نوع من التشوة، فلم تعد ملامحها محددة، نتيجة لتردي كل من الصوت والنص واللحن على خلق حالة من الإبداع والابتكار.
صناعة
ويوضح التقرير أن الأغنية العربية لم تعد الصورة المبتكرة، التي تعالج موضوعات متنوعة بصورة شعرية عميقة ومنوعة، وإنما دخلت مرحلة الصناعة، فإنتاج الأغنية لم يعد من باب الهواية والمتعة الفنية، ولم تعد هناك جهات رسمية تأخذ على عاتقها مهمات الإنتاج، كما كان يحدث في السابق، فواقع الحال يقول إن المزاج العربي العام في الغناء أو اليد العليا فيه لشركات الإنتاج التي تصدر الأسطوانات المدمجة والفيديو كليب، كذلك مجال أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة، التي أصبحت تعتمد كلياً على إنتاج هذه الشركات الرئيسية والفرعية فيما تقدمه ليلاً ونهاراً، وبرامج هواة الغناء التي أصبحت تعتمد بدرجة عالية على النتاج الغنائي للموجة الغنائية السائدة، بعيداً عن أي نتاج ينتمي إلى المراحل الكلاسيكية، التي توقفت عملياً في سبعينات أو ثمانينات القرن المنصرم.
فعند مطالعتك للشعر الغنائي الصادر في العام 2009، تجد نفسك أمام نص كتابي متصل في وحدته وتكامله، فعلى الرغم من أن هذه النصوص مكتوبة في أكثر من بلد عربي، وأكثر من لهجة عامية، لكن في نهاية المطاف يولد انطباع بأن هذه النصوص بمختلف لهجاتها، قد خرجت من يدي شاعر واحد. أما الغناء العربي السائد بين المحيط والخليج أصبح يعتمد بشكل كبير على ثلاث لهجات عربية، وهي: المصرية واللبنانية والخليجية، وذلك ليس تعبيراً عن تجل من تجليات الوحدة الثقافية، بل تنوع الأسواق التي يروج فيها هذا المنتج الاستهلاكي، وتنفيذاً لتوجيهات صارمة من الشركة المنتجة.
لم يكن حليم وفيروز وأم كلثوم يتوسل الدخول في لهجة لا يجيد النطق بها، توخياً لأغراض الانتشار، بل كان كل يغني بلهجته المحلية، إلا أن رفعة المستوى الفني للنص الغنائي، كما للنص الموسيقي، كانت كفيلة وحدها بالانتشار العربي الشامل، إضافة إلى عامل آخر وهو اعتماد اللغة العربية الفصحى في عديد من الحالات، حيث كانت تستخدم في الغناء الكلاسيكي إلى جانب اللهجات العامية بشكل متصالح لا تطغى فيه إحداهما على الأخرى. وفي حوار مباشر دار مع الموسيقار عبدالوهاب، حيث طرح عليه سؤال مباشر: لماذا تبدو أكثر تعمقاً وتألقاً فنياً عندما تغني وتلحن الشعر العربي الفصيح؟ يومها أشرقت ابتسامة عريضة على وجهه وردد قائلاً: طبعاً من دون شك، لأن الغناء باللغة العربية الفصحى هو الأبقى.
ولكن في الفترة الأخيرة بدأت عودة ظهور العربية الفصحى في الغناء، لكن بصورة هجينة، حيث إنها لا تقدم أي حالة من حالات التقدم الموسيقي، الذي يرتقي إلى مستوى النصوص الشعرية المختارة. إنها مجرد اكتشاف لأسلوب جديد للترويج التجاري وسط الأعمال الهابطة كلاماً ولحناً، فتأتي هذه الأغاني بجناحين غير متكافئين، جناح قوي في النص الشعري وجناح هزيل في النص الموسيقي.
أسباب
أما الهبوط الموسيقي الذي نعاني منه فيرجع لأسباب عدة أهمها انقطاع تواصل الأجيال بين المبدعين، فظاهرة التواصل تميز مراحل النهضة الفنية والثقافية لدى كل الأمم، فسيد درويش بعدما أنجز ثورته التجديدية في مطلع القرن العشرين خارجاً من عباءة سلامة حجازي، خرج من حضنه عبدالوهاب ومحمد القصبجي ورياض السنباطي. ومن التفسيرات السطحية لظاهرة تواصل الأجيال هذه بين المبدعين، أن البعض يعتقدها دعوة ليقوم كل جيل بالاكتفاء بتقليد الجيل الذي سبقه، وهذا لم يحدث أبداً في مراحل النهضة الفنية عند أي شعب أو أمة، لنجد أنفسنا أمام أزمة الفقر الفني الواضح، لأن هذا الجيل لم يستند إلى تراث الأجيال السابقة، لتكون النتيجة وقوعه في براثن الخضوع السريع لهيمنة أي موجة موسيقية.
نبع
ومن المؤكد أن الأجيال المتلاحقة من المبدعين العرب في حقلي الموسيقى والغناء، كانت تتطلع بدرجة أو بأخرى وبأساليب النقل الشفهي، قبل انتشار المعاهد الموسيقية، على النبعين الأساسيين في الغناء العربي الكلاسيكي، وهما نبع مدرسة الارتجال الغنائي ونبع الإنشاد الديني، أما أبناء الجيل الجديد فلم يبذلوا أي جهد للتزويد الشفهي بالحصيلة التاريخية لهذين النبعين التاريخيين، إضافة إلى تسلح الجيل القديم بالثقافة الموسيقية والغنائية، فعلى سبيل المثال نشأت أم كلثوم في حضن مدرسة الإنشاد الديني لما يقارب الخمسة عشر عاماً، ثم انتقلت إلى الصالون الأدبي لأحمد رامي، حيث كان يعقد جلسة أدبية معها، كل أسبوع، يحمل فيها ديواناً من الشعر أو كتاباً مهماً من التراث العربي، ويناقشها من ثمة في الكتاب الذي استعارته منه بعد أسبوع.
ويعد تراجع الفن الكلاسيكي التوحيدي أمام الفن الاستهلاكي التجزيئي، من أهم وأخطر الظواهر الجديدة التي رافقت هذه التحولات الهائلة في الأحوال السائدة في الغناء العربي. معروفة مقولة المثقفين العرب الذين كانوا يرددون في أيام سيادة الفن الكلاسيكي، أنه إذا أردت أن تتعرف إلى حدود الوطن العربي تراها بأم عينك، تلمسها لمس اليد، فما عليك سوى أن تستقل سيارتك، في يوم الخميس الأول من كل شهر، (موعد الحفل الشهري لأم كلثوم) وتظل تجول بها في الأراضي العربية الواسعة، في جولة افتراضية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، أو العكس بالعكس. أما إذا بقيت أذناك تسمعان صوت أم كلثوم يتردد، فاعلم أنك مازلت ضمن حدود الوطن العربي، وإذا توقف صوت أم كلثوم عن مصافحة أذنيك، فاعلم أنك أصبحت خارج حدود الوطن العربي.
