عندما تخطو داخل قاعة زها حديد في قصر الإمارات بأبوظبي التي استضافت عدداً من الحفلات الموسيقيّة الغنائية، ضمن فعاليات مهرجان أبوظبي للفنون 2011، فأنت ممن حظوا بفرصة حضور فعاليّة مميّزة تتيح لك فرصة الاستماع إلى قدرات صوتيّة لمؤدّين من طراز خاصّ، جاءوا لتقديم أغانٍ بحناجر عارية دون أيّة مساعدة تقنيّة، فالقاعة مصمّمة خصيصاً ليحيط الصوت بالحضور الذي لا يتجاوز المئتين، على نحو يصل الصوت معه بوضوح من دون أيّ معونة تجميليّة، أو دعم كهربائي التغذية.
وكما قدّم المهرجان تجربة جديدة على صعيد الأصوات المميّزة في أمسياته، كذلك قدّم نظرة مختلفة إلى التلفزيون وتحديداً برامجه الترفيهيّة، حيث أكدّ حفل أسامة الرحباني مع التينور وديع أبي رعد، والسوبرانو هبة طوجي، التي أقيمت الأسبوع الماضي ضمن فعاليات مهرجان أبوظبي للفنون 2011، أنّ التسطيح الذي يمارسه التلفزيون لا يكشف عن حقيقة المضمون، وأنّه لا بدّ من حظّ طيّب، وفرصة مناسبة للتعرّف إلى الواقع، وملامسته صوتيّاً على الأقلّ. حيث تعرّف جمهور قاعة زها حديد عن قرب إلى وديع أبي رعد أستاذ مادّة الصوت منذ عام 2003 في برنامج المواهب الترفيهيّ الشهير (ستار أكاديمي)، وكشف عن صوت مميّز من طبقة الــ (تينور)، نجح في تقديم أمسية مميّزة متصدّياً لأغانٍ قدّمها غسان صليبا أحد نجوم مسرح منصور الرحباني وأولاده ــ إن جاز التعبير ــ كما نجح في الهروب من المقارنة مع الأصل في مسرحيّات سبق تقديمها للجمهور، مثل (أبو الطيب المتنبي)، و(زنوبيا)، و(ملوك الطوائف) لمنصور الرحباني، و(عودة الفينيق) التي اختُتِم بها مهرجان جبيل لصيف 2008.
عودة الفينيق
في حين كانت المقارنة صعبة بالنسبة إلى هبة طوجي، التي كان أول ظهور لها في مسرحية (عودة الفينيق) لأسامة الرحباني عام 2008، وفي مسرحيتي (صيف 840) و(ملوك الطوائف) لمنصور الرحباني، وعلى الرّغم من بعض الآراء التي تحدّثت عن تمايزها في المسرحيتين الأخيرتين، وعن كونها تمتلك شخصيتها الفنّيّة المستقلّة، فإنّ أداءها عدداً من أغاني كارول سماحة، من مسرحيّات (أبو الطيب المتنبي)، و(ملوك الطوائف)، و(زنوبيا)، ساهم نوعاً ما في ظلمها، وظلّت المقارنة قائمة، حتى قدّمت بعضاً من أغاني ألبومها الجديد (لا بداية ولا نهاية) الذي تعاونت فيه موسيقيّاً مع أسامة الرحباني، فأدّت الأغنية التي يحمل الألبوم عنوانها، (والحزن غالي)، اللتين كتبهما الراحل منصور الرحباني، وكذلك أغنية (حلم) من كلمات غدي الرحباني. إلا أنّ طغيان البرنامج الموسيقيّ الذي قُدّم في مهرجان أبوظبي للفنون، لصالح أغانٍ قدّمتها كارول سماحة سابقاً، لم يتح لشخصيّة هبة طوجي الفنيّة المستقلّة مجالاً للظهور، وحال دون تميّزها الذي تعرف إليه الجمهور من خلال الفيديو كليبات التي بثت لها، وتميز أداؤها في أغنيات أكثر من أغنيات أُخَر.
ملوك الطوائف
رائحة التاريخ عبقت في آخر أمسيات قاعة زها حديد، التي قدّم أسامة الرحباني فيها من مسرحية ملوك الطوائف (إذا فيك تغيّر عقلك) التي تحكي عن حبّ الملكة لزوجها المعتمد بن عبّاد. واستعاد من مسرحية (زنوبيا) دويتو قدّمه وديع أبي رعد وهبة طوجي ــ دار في خيال منصور الرحباني ــ على لساني زنوبيا ملكة تدمر وزوجها الملك أذينة، التي تحدّت روما أعظم قوّة استعماريّة حينها، وكذلك بأداء وديع أبي رعد (أجملي يا أمّ عمرو) من مسرحية (ملوك الطوائف)، التي استلّ فيها منصور أوّل بيتين من قصيدة لأبي فراس الحمدانيّ وأكملها. وتعتمد بنية غنائيّة راقصة، مستوحاة من رقصة الفلامنكو التي تعكس انصهار الثقافة العربية في الغرب إبان حكم الأندلس. وغنى أبي رعد لسان حال المتنبي في (طوى الجزيرة) التي وجهها إلى محبوبته خولة أخت سيف الدولة الحمداني، ولم يذكر فيها المتنبي اسمها صراحة في القصيدة التي حملت كبرياءه وألمه واعتداده بنفسه، في المقطع (كأنّ فَعْلَةَ لم تَمْلأ مَوَاكِبُهَا/دِيَارَ بَكْرٍ وَلم تَخْلَعْ ولم تَهَبِ)، وعدلها منصور إلى خولة بدلاً عن فعلة، لأن في كل قصيدة من قصائده امرأة، وكذا فعل أسامة.
الحزن غالٍ
وضمّت الأمسية إحدى الأغاني التي لم تقدّم في مسرحية (زنوبيا) حين عُرِضَتْ في مدينة دبي للاستوديوهات في أبريل 2007. وقدّمت هبة طوجي (الحزن غالي) من كلمات وألحان منصور الرحباني. كما تمّ إطلاق ÷في الأمسية ذاتها÷ أغنية (المرتزقة) والتي كتب كلماتها غدي الرحباني عام 1985، وتقول (عم يجوا من بلاد الفقر، على بلاد مش إلن، لا فيها سود ولا شقر، هودي اللي اسمن مرتزقة، حريتهن رهن القتل، اللي بيمشوا مع كل قضية، وبيزقفوا لكل خطاب). وكان لجبران خليل جبران محطة أساسية في (كل ما منرجع من هالدنية) مأخوذة من مسرحيّة «جبران والنبي» التي ألّفها أسامة الرحباني ووزّعها وأنتجها عام 2005، والمقتبسة عن كتاب لجبران خليل جبران، في ثنائيّة تتكلّم عن الخلود والتقمّص، عندما يزور نبي أورفيليس جبران في نيويورك. وكذلك قدّم مقطعاً من (المحبّة) في الوصية لأبناء أورفيليس تميّزت بدمج موسيقيّ بين ألحان أسامة والحركة الخامسة للسيمفونية التاسعة لبيتهوفن «نشيد الفرح». وقال أسامة «لقد كان أمراً ممتعاً أن أقوم بالمزج بين أعمال بيتهوفن وجبران ومنصور الرحباني وعملي أنا»، وقدم في نهاية الأمسية مقطوعة (تناغم) وهي القسم الأخير من ابتهال (من أجل الصحراء)، الذي قام بإنتاجه بالتعاون مع أوركسترا لندن الفلهارمونية وجوقتها، تحت قيادة المايسترو إيون مارين، وعرضت في افتتاح صالة الفنّ الإسلامي في متحف فكتوريا وآلبرت.
إضافة فنية
قالت هدى الخميس كانو، مُؤسس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، المؤسِّس والمدير الفني لمهرجان أبوظبي، «يمثّل وجود أسامة الرحباني في العاصمة أبوظبي إضافة فنيّة ذات قيمة رفيعة إلى مهرجان أبوظبي 2011، فأسامة له فلسفته الخاصة في تأليف الموسيقى، بحيث يستطيع المستمع أن يميّز ألحانه بسهولة، فهي على تفرّدها لم تغادر مبدأ الارتقاء بالذائقة الموسيقيّة والوفاء للمستمع العربي في ما يتنفّسه من ألحان كما الماء والهواء. وقد شهدنا معاً وجود عدد كبير من أفراد الجاليات الأجنبيّة التي شاركتنا الإحساس العميق بالتفاعل مع هذا اللون من ألوان الموسيقى والغناء الراقيين، وهنا تكمن روعة اللغة الموسيقيّة رفيعة المستوى التي تخاطب القلوب كلّها وتغذّي الأرواح جميعها مهما اختلفت الألسن وتعدّدت الثقافات».
