اشتهرت جماعات النمل منذ القدم بأنها مخلوقات ترمز للتعاون والعمل الدائب، وأنها تضع مصلحة الجماعة فوق كل اعتبار.
وتقول صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، في تقرير حديث لها، إن جدلاً واسعا ساد، أخيراً، بين علماء أحياء بريطانيين حول تطور طباع الأنانية لدى النمل، وهو الجدل الذي رصدته مجلة «ذا نيتشر»، المعنية بشؤون الأحياء والطبيعة.
ففي الوقت الذي أشادت به بعض الأوساط العلمية بهذا الجدل كونه جدلاً «ثورياً» و«عودة إلى القسوة»، ندد البعض الآخر بما وصفوه أنه «مؤلم» و«مثير للشك» و«مثير للغضب» و«لا يتسم بالمنهج العلمي».
وتقول الصحيفة أن الضجة في هذا الصدد تتركز حول ما يسمى بــ«انتقاء الرحم»، وهي واحدة من الأفكار المعروفة في نظرية التطور، التي تفترض أنها تقدم تفسيراً حول كيفية تطور ظاهرة نكران الذات لدى مستعمرات النمل وعمال التعقيم.
ويطلق على هذه المستعمرات اسم «المتجمع الحقيقي»، ذلك أن بعضاً من أفراده يتخلون عن حقهم في التكاثر من أجل تربية أبناء آخرين.
ولا يعتبر ذلك الدليل الوحيد على الإيثار في مستعمرات النمل، لكنه للوهلة الأولى يقف على طرفي نقيض مع فكرة الانتقاء الطبيعي.
وأشارت «ديلي تلغراف» إلى أن عالم الأحياء «داروين» نفسه أفرد النمل وحده بوصفه التحدي الأبرز الذي يواجه نظريته. إلا انه خلال الأربعين عاماً الماضية، ساد الاعتقاد أن هذه المشكلة قد تم إيجاد حل لها.
ففي عام 1955، اهتدى «جي بي إس هالدين»، اختصاصي الوراثة البريطاني إلى بصيص نور يفضي للحلّ، عندما وجد نفسه مدفوعاً بالإحساس لإنقاذ شقيقيه او ثمانية من أبناء عمومته من الغرق في النهر.
وتوصل إلى تفسير علمي لذلك وهو أن ذلك يعني أن العنصر الوراثي المسؤول عن سلوك الإيثار يمكن أن يبقى فقط في حالة ترك نسخ كافية منه داخل الأشخاص الذين يتم مساعدتهم بالعمل الإيثاري.
وأوضحت الصحيفة أنه عندما يبادر كائن حي بالتضحية بنفسه من أجل إنقاذ قريب له، أو بذل مجهود في العمل من أجل مساعدة قريب له على التكاثر.
فإن ذلك من شأنه جعل جينات الإيثار تتوارث من جيل لآخر لدى الطرفين. وفي عام 1964، سلط عالم الأحياء البريطاني «بيل هاملتون» المزيد من الضوء على استنتاجات «هالدين»،.
وذلك من خلال بحثين حول «اللياقة الشاملة». واستخدم بما يعرف بقانون هاملتون للتنبؤ بقدر الإيثار الذي يتعين توقعه لرابط جيني معين.
وقد تم فيما بعد تبني هذا التأكيد على أن هذه الجينات هي الأهم، وليس الأفراد، من قبل «ريتشارد داوكينز»، مستخدماً وصف «جين الأنانية».
وأشارت «ديلي تلغراف» إلى أن المشكلة كانت قد بدأت عندما عمد «مارتن نواك»، الذي كان يعمل مع هاميلتون و«داوكينز» في جامعة أكسفورد، في دراسة هذه القضية.
وأهم ما لفت أنظار فريق الباحثين هو كيف أن الدراسات بشأن النمل والزنابير والنحل تؤيد النظرية، لكنهم وجدوا أن النظريات الحسابية في هذا الصدد مبهمة.
