أصبحت أهم الصروح المعمارية التي شيدتها قبائل الصين مهددة بالتحول إلى أطلال، جراء دخول بعض الجوانب المدنية إلى حياة الصينيين وتراجع التقاليد القبلية وعزوف المسؤولين الصينيين عن تأهيلها، علما أن 46 من هذه المباني وضعتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونسكو» في قائمة مواقع التراث العالمي في عام 2008.
وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، في تقرير حديث لها، إنه مع تراجع التقاليد القبلية في الصين، يزداد أعداد الناس الذين ينتقلون خارج هذه المباني للمبيت في شقق جديدة مجهزة بوسائل الراحة التي لا تتوافر في تلك المباني القديمة، مثل الحمامات الداخلية وغيرها.
على امتداد قرون خلت كان يعيش في هذه المباني التي تدعى «المباني الترابية» أو «تولو» في لغة الماندرين، عشيرة كاملة، أي قرية بكل معنى الكلمة. وكان يطلق اسم العائلة نفسه على كل من يسكن فيها، باستثناء أولئك الذين تزوجوا من العشيرة. وهذه الألوف من المباني التي تم بناؤها من قبل شعبي «هاكا» و«مينان» في مقاطعة «فوجيان» الريفية، تشكل التعبير الهندسي المعماري النموذجي لوجود العشائر في الصين. ويعلو مبنى «تولو» أربع طوابق عن الأرض ويحوي مئات الغرف وفي وسطه باحة واسعة، أما الجدران الخارجية، فمعظمها مشيدة من تربة مضغوطة لحمايتها من قطاع الطرق.
يقول جيانغ كينغ، والذي يبلغ من العمر 28 سنة وهو يقف على الشرفة العلوي لمبنى تولو هوان كزينغ والذي جرى بناؤه منذ 500 عام: « لم يعد الناس يهتمون بتنظيف هذا المبنى»، ويضيف: « بالقدر الذي يستمر الناس في العيش هنا فإن المنظومة البيئية تزدهر، لكن بمجرد أن ينتقل الناس للعيش في مكان آخر فإن كل شيء سينهار». فالشبان قد ذهبوا للعيش في مكان آخر، وبعضهم يعيش على بعد ساعتين في المدن الساحلية لـ«شيانمين» حيث يمارسون أعمالا وضيعة.
وتشير صحيفة «نيويورك تايمز في تقريرها إلى توقف بناء مباني «تولو» منذ نهاية القرن الماضي، مما جعل هندسة بنائها مهددة بالزوال، ودفع منظمة الأمم المتحدة للسعي إلى الحفاظ على ما تبقى من هذه المباني من الخراب. فهناك 3000 بناء تولو في مقاطعة فوجيان، ويؤكد هذه الأرقام صندوق التراث العالمي في كاليفورنيا والذي يعمل على مشروع عن «تولو». ويشير بعض العلماء إلى أن المسؤولين الصينيين، على الرغم من تشجيعهم الجذب السياحي لهذه المباني.
وبالرغم من قيام الرئيس الصيني، هو جينتاو، بزيارة مواقع هذه المباني خلال احتفالات السنة القمرية الجديدة عام 2010 ــ فإنهم لا يبذلون إلا القليل لحماية منظمة ومنهجية لهذه المباني من الزوال أو القيام بتحديثها لتشجيع الناس على البقاء فيها. «العديد من الناس ذهبوا إلى أماكن أخرى ــ هونغ كونغ وغيرها» هكذا قالت لي جويلان، وهي المرأة التي يناهز عمرها 53 وعاشت في هذا المكان لمدة 32 عاما، وهي تضيف: «لكن لا يهم ما إذا غادر صغار السن وتوقفوا عن العيش هنا. فكبار السن ما زالوا هنا». لكن هوانغ لديه وجهة نظر مختلفة حيث يقول « لم يجر الحفاظ إلا على البناء لكن الناس غادروا المكان» ويضيف: «لذا فإن الجزء الحي قد انتهى، وما نقوم بالحفاظ عليه هو مجرد أطلال».
ويذكر أن مباني «تولو» التي تبدو كأيقونات تظهر على الطوابع البريدية للصين. أما الأكثرها شهرة فهي تلك التي لها شكل دائري خاص بحيث تبدو عن بعد وكأنها صحون طائرة حطت في وسط حقول المزارعين. وأهمها مبنى «تشينغي لو» الذي أنشئ في القرن السابع عشر، على شكل حلقات متحدة من البيوت والممرات الداخلية في الطابق الأرضي، بقطر دائرة يبلغ 100 متر.
