نجت «فتاة الجيشا الأخيرة» من مدينة كاميشي، وهي المدينة التي كانت مزدهرة فيما مضى وتشتهر بصناعة الصلب، من رابع تسونا مي، على يد أحد المعجبين بها، لكنها خسرت كل شيء يربطها بمهنتها لاسيما زي ال «كيمونو» الخاص بها وآلة «شاميسن» التي تعزف عليها، لكن هذا لم يثبط عزيمتها، فقد أخذت عهداً على نفسها بالاستمرار في الغناء والرقص مجددا في كاميشي، في تجسيد مدهش لروح الصمود اليابانية في مواجهة الكوارث التي حلت باليابان اخيراً.

وعلى الرغم من أن الكثيرين لم يعودوا يرغبون في رؤية «فتاة الجيشا الأخيرة» وتدعى «تسوياكي أيتو» تؤدي أدوارها كما في السابق، إلا أن تلك المرأة البالغة من العمر ‬84 عاماً كانت تستعد وتجهز نفسها في منزلها في كاميشي بمقاطعة ايواتي، للغناء في أحد مطاعم اليابان التقليدية الفخمة والتي تدعي «ريوتي»، حين ضرب الزلزال اليابان في ‬11 مارس الماضي. أما المطعم الذي كانت تستعد للغناء فيه فقد مضى على وجوده ‬117 سنة، وكانت قد بدأت العمل فيه منذ حوالي سبعين سنة، حين كان عمرها ‬14 عاما. تظهر ايتو، وهي ترقد حاليا في مستشفى محلي، حيث تعالج من أزمة صدرية، نادمة لأنها لم تستطع ان تؤدي دورها في تلك الليلة، فلقد تم استخدامها في الترفيه عن مجموعة مؤلفة من أربعة أشخاص، تكريما لزميل لهم نقل إلى خارج مدينة كاميشي. تقول: «تمرنت جيدا في الليلة السابقة، وبعد أن جمعت أفكاري اخترت الأغنية التي وجدتها مناسبة للحدث» حيث تتحدث عن سوماراي يمتطي جواده ذاهبا إلى معركته الأولى التي ينتظرها بفارغ الصبر.

يقول ستسوكو كانازاوا، الذي تملك عائلته مطعم «سايوايرو» حيث تقوم أيتو بتقديم فقراتها الترفيهية: «كانت على جانب كبير من الجمال» مضيفا إنها كانت أكثر مهارة من فتيات الجيشا الأخريات في استخدام ال «شاميسن» الموسيقية التقليدية. وتعتبر أيتو التي تخطط للتقاعد في عيد ميلادها ال ‬88، بالنسبة للذين يريدون الحفاظ على الثقافة اليابانية حارس الثقافة المحلية التي تتجه بسرعة الى زوال.

تقول ايتو: كنت أحب الرقص، وكنت أريد بكل بساطة أن أصبح غيشا مهمة في كاميشي». لكن ظروف ايتو في منزلها كانت أكثر سوادًا، يقول قريبها. كان والدها يدير عملا في مجال الإنشاءات، وكان على علاقة مع عصابات اليابان المعروفة باسم «ياكوزا»، ومن المفترض أنه قال لها إنها تناسب هذا النوع من الحياة لكن قريبها يعتقد أن أباها إنما أراد أن يضمن تسديد بعض ديونه.

بعد زواج من صاحب مطعم سوشي وولادة ابنة ومن ثم طلاقها، ذهبت أيتو الى طوكيو لدراسة الرقص على يد معلم مشهور. وفي كاميشي،كانت ايتو وزميلاتها مشهورات في مطاعم المدينة حين كان اقتصاد تلك المدينة في ازدهار خلال خمسينات القرن الماضي. يقول كانازاوا: قام تنفيذيو صناعة الصلب بشغل غرف لهم في مطعم «سايوايرو»، كذلك ملاك سفن الصيد».

لكن صناعات كاميشي بدأت بالتدهور في السبعينات، فتحول المطعم في النهاية إلى مكان أكثر ترحيبا بالعامة.

تذكر ايتو أنها كانت تستمع لقصص جدتها، وهي فتاة صغيرة، تخبرها عن موجات تسونامي فظيعة ضربت منطقة كاميشي عام ‬1896: «تسونامي مثل فم مفتوح على سعته يبتلع كل من يعترض طريقه، والفوز لمن يهرولون بأسرع ما يمكنهم».

حملتها أمها على ظهرها في أول تسونامي عام ‬1933، لكن نجاتها هذه المرة جاءت على يد أحد المعجبين بها، فبعد انهيار حائط في منزلها، جاء صاحب متجر للمشروبات يدعى هيرويوكي ماروكي وعمره ‬59 عاماً ورئيس مجموعة مكرسة للحفاظ على لحن ياباني قديم يحمل اسم «أغنية شاطئ كاميشي»، يفتش عنها، وحملها على ظهره إلى تلة مرتفعة، وأنقذها من براثن موجات تسونامي، وقال: «إنها الوحيدة التي تجيد أداء هذا اللحن».