انه موسم القنوات الإخبارية بامتياز، ولكنها بالضرورة ليست حفلة الإعلانات بالنسبة إلى هذه القنوات. لطالما كان رأس المال الإعلاني حذر من المغامرة في بث الرسالة الإعلانية في السياق السياسي. وبما أن العالم العربي لا يزال مشغولا منذ أكثر من أربعة شهور بالأحداث السياسية المتعاقبة، فإن ذلك الحذر مستمر بل يتفاقم.
وتشير شركات قياس المشاهدة في تقارير حديثة إلى أن معدلات مشاهدة القنوات الإخبارية قد ارتفعت خلال أقل من شهر بنسبة 10٪. وبحسب «إيبوس» فإن السوق السعودي، الذي يعتبر من الأسواق الرئيسية في المنطقة في مجال الصرف الإعلاني، قد شهد معدلات مشاهدة للقنوات الإخبارية زادت من 11٪ في ديسمبر الماضي إلى 22٪ في فبراير، وهي نسبة نمو لم تتحقق من قبل إلا خلال الأحداث الكبرى كحروب الخليج أو حروب إسرائيل على لبنان أو فلسطين.
ولم يلحظ تغيير في الساعات التي تصرف على مشاهدة التلفاز، لكن نوعية البرامج قد اختلفت. ولا تزال، بحسب ايبوس، ساعات المشاهدة تدور حول ست ساعات يوميا، وان تركزت بشكل رئيسي على الأخبار وعلى البرامج السياسية التي تتعاطى مع شأن الثورات المتلاحقة في العالم العربي.
ولطالما راهنت المحطات التلفزيونية على نوعية البرامج التي يشاهدها الفرد في الأسواق ذات الإنفاق الإعلاني المرتفع، مثل السعودية والإمارات ومصر، لكن تقارير نشرتها شركة «بارك» لدراسات السوق أفادت بأن تغيرا في عادات المشاهدة قد طرأ خلال الشهور الماضية. وفيما بلغ معدل مشاهدة القناة الإخبارية في السعودية 14 دقيقة في اليوم من اصل ست ساعات مشاهدة في فبراير من العام الماضي، فإن هذه المشاهدة فد ارتفعت إلى 47 دقيقة في الفترة ذاتها من هذا العام. وقد تصدرت قناتي الجزيرة القطرية والعربية السعودية طليعة القنوات التي تغيرت بسببها عادات المشاهدة التقليدية.
لكن معدلات الصرف الإعلاني لم تتأثر بارتفاع معدلات المشاهدة، فكما يشير مسؤولون في مجموعة «أم بي سي» التي تدير قناة «العربية» انخفض المردود الإعلاني للقناة خلال أول شهرين من العام الجديد بنسبة 15٪.
وبوسعنا أن نحدد ثلاثة أسباب رئيسية لهذا الأمر. أولها طبيعة القنوات الاخبارية، فهي في الأساس ليست الهدف الرئيسي بالنسبة إلى الإعلان التجاري، ولا يزال نمو الإعلان على شاشاتها بطيئا، مقارنة بالقنوات الأخرى ذات الطابع الرياضي أو الترفيهي. ثانيا، تراجع أسلوب الرعايات التجارية، بسبب سيطرة الأخبار العاجلة على طبيعة ما تبثه القنوات، وهي نوعية من المنتج الإعلامي التي لا تصلح لرعاية تجارية كما هو الأمر بالنسبة إلى البرامج التي انحسرت اطلالاتها بشكل كبير، وتحديدا على قناة الجزيرة الإخبارية. ثالثا، قيام وكالات الشراء الإعلاني التي تقوم عادو بحجز الإعلان على التلفزيون لصالح العميل بمراجعة خطط الإنفاق السابقة بسبب الأوضاع السياسية وغموض المستقبل. وهناك سبب رئيسي وراء هذا الأمر وهو عدم رغبة الشركات المعلنة بربط صور إعلانها بصور «عنيفة»، كما تصفها في إشارة إلى صور المعارك والثورات في تونس ومصر وليبيا ودول عربية أخرى. وتشير احصاءات بارك إلى أن السوق المصري قد شهد انخفاضا في حجم الصرف الإعلاني على القنوات التلفزيونية خلال فبراير الماضي بلغ حجمه 97٪ وحوالي 78٪ في مارس قياسا إلى الفترة ذاتها من العام الاخير.
وبغض النظر عن انخفاض الانفاق الإعلاني، فإن القنوات الاخبارية المتخصصة مثل العربية والجزيرة قد استفادت من تكريس علامتها التجارية (ما يعرف في علم التسويق بالبراندينغ)، وهو ما ينعكس على قيمة العلامة على المدى الطويل.
وبحسب التسعيرة المعلنة لأسعار الإعلانات، بغض النظر عن الحسومات التي تمنحها وكالات الحجز الإعلاني، أو الإعلانات المجانية على القنوات التلفزيونية، فإن حجم الانفاق الإعلاني قد انخفض في الإعلام المصري من 49 مليون دولار، أي حوالي 179,9 مليون درهم، إلى مليون دولار واحد، بسبب الأحداث السياسية في شهر فبراير.
ولم يقتصر الأمر على قطاع التلفزيون فحسب، فالصحف المطبوعة المصرية تضررت بقوة، اذ انخفضت نسبة الصرف الإعلاني عليها حوالي 45٪ خلال الربع الأول من العام الجاري مقارنة بالفترة ذاتها من العام الاخير.
