عندما يلتقي «أيان كلارك»، الطبيب الأيرلندي، بالناخبين الذين صوتوا لصالحه في انتخابات منصب عمدة أحد أكبر أحياء «كامبالا»، العاصمة الأوغندية، فإنه يجد من المألوف أن يطلب منه السكان بعض الخدمات. فالبعض يطلب منه أن يدفع ثمن زجاجة مشروب أو أجرة حافلة، فيما كان يطلب منه البعض الآخر مبلغاً لسداد مصروفات الدراسة أو لشراء أدوية. وتقول صحيفة «تايمز» البريطانية، في تقرير حديث لها: إن «كلارك»، أو «الشبح» كما يطلق عليه خصومه نظراً للون بشرته البيضاء، يعتبر أول شخص أجنبي يتم انتخابه في منصب رفيع في أوغندا منذ استقلالها في عام 1962.
يقول «كلارك»، الذي يبلغ من العمر 59 عاماً، وهو من مدينة بلفاست عاصمة أيرلندا الشمالية: «اعتاد الناس كثيراً على أن يروا سياسيا، ويتوقعون منه مساعدة». يعتبر أن فرضية استخدام المرشح الرشاوى المالية كوسيلة لشراء شعبية الناخبين واحدة من أكبر التحديات التي يواجهها. نشأ «كلارك» في إحدى المزارع بالريف الأيرلندي، لكنه جاء إلى أوغندا في عام 1988 عندما تمزقت أواصر البلاد نتيجة الحرب الأهلية. وكان يشعر بالسأم كونه يعمل كممارس عام في بلفاست. وقرر خوض انتخابات منصب عمدة الحي الذي يعمل به، وذلك بعد انشاء مستشفى كامبالا الدولي وقيامه بعلاج
آلاف المرضى من الفقراء في الأحياء العشوائية. ورغم الشائعات التي روجها خصومه حول اعتزامه إزالة هذه الاحياء وإحلال مهبط خاص للطائرات، إلا أنه فاز بضعف الأصوات عن أقرب المرشحين له في الانتخابات، أخيراً، ليصبح رئيساً لمجلس منطقة «ماكينداي»، وهو المنصب الذي يعادل منصب العمدة. ومن المقرر أن يقسم «كلارك» يمين الولاء، ليكون مسؤولاً عن جميع مرافق الرعاية الصحية والتعليمية والصرف الصحي التي تخدم 800 ألف من مواطني كامبالا. يقول «كلارك»: «لست الشخص الذي يحاول عمل المستحيل في مقابل لا شيء. سوف أتبع نهجا تعاونياً، وآمل أن أكون قدوة يحتذى بها في القيادة».
تقول «تايمز»: إن المثالية التي يتبعها «كلارك» تتسم بالوضوح. فهو يسعى إلى القضاء على الفساد الذي أدى إلى توقف بعض المشروعات في المدينة دون أن تكتمل. وتابع بالقول: «وجد الناس جميع أشكال الأعذار بألا يستكمل أي شيء هنا. إنهم خبراء في وضع نصف الأموال في مشروع ما، وسرقة الباقي». المثالية التي ينتهجها «كلارك» كانت محل مقارنة مع شخصية الطبيب الأبيض في الفيلم البريطاني «آخر ملوك اسكتلندا»، المستوحاة من قصة «غايلز فودين»، الذي جسد خلاله الممثل «جيمس ماكوفي» شخصية الطبيب الذي كان مقرباً من الدكتاتور الأوغندي الأسبق «عيدي أمين». يصر «كلارك» على دحض الاتهام الذي يوجهه إليه بعض خصومه بأنه الرجل الأبيض «صاحب الامتيازات»، الذي قرر إقحام نفسه في العمل السياسي.
وفي هذا الصدد يقول: «ليس لدي أي علاقات بشخصيات في أروقة السلطة»، وذلك على الرغم من أنه معروف أن «جانيت موسيفيني» قرينة الرئيس الأوغندي «ياوري موسيفيني» تتصل به على هاتفه لاستشارته في مسائل صحية. ورغم أن «كلارك» وزوجته «روبي» الأيرلندية المولد، يحملان الجنسية المزدوجة ويتقنان اللغة المحلية، إلا أن قضية العرق أثيرت ضده خلال الأشهر الثلاثة للانتخابات. كما يتبنى الزوجان 10 أطفال أوغنديين بشكل غير رسمي، أحدهم يتلقى تعليمه في جامعة «يال» الأميركية.
ويشعر «كلارك» بالقلق حيال المستوى الكبير لتوقعات سكان المنطقة التي يتولى مسؤوليتها، وهو يقول مشدداً: «الأمر لا يتعلق بكوني أبيض. وفي غضون خمس سنوات من الآن ربما أنني كنت على خطأ، ولكنني أود أن يحكم الناس عليّ من خلال الخدمات التي أقدمها لهم».
