خمسون عاماً مضت على أحد أكثر مشاهد التراجيديا البحرية ترويعاً على مستوى العالم، وأكثرها إثارة على مستوى المنطقة، فاليوم نتذكر معا حادثة غرق السفينة (دارا)، أو ما أطلق عليها البعض (تايتانيك الخليج) أو (تايتانيك العربية) كما يسميها البعض الآخر، إنها المأساة الحقيقية التي عاشها أهل الإمارات والخليج قبل نصف قرن من الآن، لكنها لا زالت مترسخة في قلوبهم كإحدى أهم القصص الإنسانية التي مازالت تسرد مروياتها الحزينة للأبناء والأحفاد.

ستظل (دارا)، التي أخذت السر الخفي وراء غرقها معها في رحلتها إلى قاع الخليج العربي، محط أنظار الناس في الإمارات، وقصة تثير اهتمام كل من يقرأها، حيث احتضن هيكل هذه السفينة في مأساة إنسانية أجساد عدد كبير من أبناء الإمارات، ومن جنسيات مختلفة ليستقروا معها في قاع الخليج العربي إلى الأبد.

عاصفة في المرفأ

أبحرت تايتانيك الخليج من بومباي بالهند في رحلة إلى الخليج العربي كالعادة، لتصل إلى ميناء البصرة أولاً، ثم منه إلى ميناء البحرين الذي أبحرت منه صبيحة يوم السادس من إبريل عام ‬1961 متجهة إلى دبي، لتصل إليها في اليوم التالي الموافق السابع من إبريل لتحميل وتنزيل الركاب والبضائع، حيث صعد إلى السفينة عدد من التجار الإماراتيين، الذين كانوا يسافرون وقتها إلى شبه القارة الهندية لممارسة أنشطتهم التجارية، إضافة إلى بعض الأسر، وكالعادة كان أصدقاؤهم يقومون بتوديعهم أو استقبال من أتى من شبه القارة الهندية على متن السفينة. كانت الأجواء هادئة تماما والطقس جيداً، لكن الرياح دائما تأتي بما لا تشتهي السفن، فبينما كانت عمليات التحميل والتنزيل تجري على قدم وساق في الميناء بدبي، هبت عاصفة هوجاء وأمطار غزيرة لتحول دون استمرار عمليات التحميل والتنزيل، وهو بدوره ما دفع ربان السفينة إلى الخروج من الميناء والاتجاه بها نحو المياه العميقة لمقاومة العاصفة.

ما لا تشتهي السفن

لم تدع العاصفة التي هبت بطريقة فجائية وقتا كي ينزل الركاب من السفينة، حيث تم سحب مرساة السفينة بسرعة لتخرج إلى عمق البحر، مع وجود عدد من الأشخاص غير المسافرين على متنها؛ من الباعة الجائلين وأهالي المسافرين وعمال التحميل والتنزيل بالميناء وأصحاب الشحنات، وبالفعل نجح قادة السفينة في مقاومة العاصفة الشديدة، والتي استمرت طوال الليل ودفعت السفينة بعيدا عن سواحل دبي، وهو ما جعل ربان السفينة يديرون دفتها للعودة إلى دبي بغرض إتمام عمليات التحميل والتنزيل، ليبدأ المشهد التراجيدي الحقيقي في قصة (تايتانيك الخليج).ففي فجر يوم الثامن من إبريل، وتحديدا في الساعة الرابعة والثلث، وقع انفجار مدو في مطبخ السفينة هز أرجاءها، وأدى إلى اندلاع النيران في عدة أجزاء، والتي انتشرت بسرعة كبيرة في أرجائها، بسبب ما تبقى من رياح العاصفة، ودمرت الأنظمة الكهربائية وأنظمة مكافحة الحرائق وأنظمة الملاحة والتوجيه، ما تسبب بانتشار الذعر بين الركاب والطاقم على متن السفينة، والذي تمثل في قفز بعض الركاب في الماء بلا وعي، أو الازدحام الشديد في قوارب النجاة، التي انقلبت رأسا على عقب بسبب الحمولة الزائدة، وهو بدوره ما دفع بالركاب إلى النزول إلى الماء سواء برغبتهم أو رغما عنهم. مما سبب حالة من الهلع؛ أمهات يبحثن عن أولادهن وإخوان يبحثون عن أخواتهم، وأصدقاء فرقهم الحريق الذي شب على متن السفينة، وسيدة تطوف المتاح لها من السفينة بحثا عن ابنتها التي ذهبت لتحضر أحد الأغراض من الطابق الأسفل في السفينة، وأحد أعضاء طاقم السفينة يبحث عن زميله الذي كان موجودا في مطبخ السفينة المشتعل، والبحر لا يفرق بين أصدقائه وأعدائه، فمياهه العميقة تبتلع كل من يستسلم للموت، تلك مشاهد من (تايتانيك الخليج)، التي اعتبرها خبراء القطاع الملاحي الكارثة الإنسانية الثانية عالمياً في ذلك الوقت بعد غرق السفينة تايتانيك.

«دارا» تقاوم من أجل البقاء

هبت بعض السفن القريبة من مكان الحادث إلى المساعدة في نجدة السفينة، خاصة مع تزايد ألسنة اللهب وسحب الدخان المتصاعدة منها، حيث هرعت بعض السفن البريطانية والألمانية واليابانية والنرويجية إضافة إلى السفن المحلية القريبة من (دارا) لمحاولة إنقاذ ما تبقى من الركاب والسفينة، لكن الكارثة كانت قد خلفت بالفعل ‬238 قتيلا عن طريق الغرق أو الحرق أو الاختناق منهم ‬20 مواطنا إماراتيا من أصل ‬819 شخصا كانوا على متنها. ورغم كل ما حدث، إلا أن (دارا) لم تغرق بشكل كامل لحظة الحادث، إذ قامت إحدى السفن بسحبها باتجاه دبي في اليوم العاشر من شهر أبريل، أي بعد الحادث بيومين، حيث نجحت السفينة في القيام بعملية السحب لمسافة، لكن (دارا) أبت أن تصل إلى الشواطئ وفضلت أن تستقر في قاع الخليج العربي للأبد!

شهادات بعض الناجين

بحثنا في دفاتر الماضي، آملين في العثور على أحد الناجين من دولة الإمارات، فتوصلنا إلى اللواء المتقاعد شرف الدين محمد حسين شرف، الذي كان على متن (دارا) بصحبة والدته وعدد من إخوانه وأخواته.

يروي اللواء شرف حكايته على متن السفينة (دارا) فيقول: كنت متوجها بصحبة الوالدة وبعض من إخوتي إلى كراتشي، حيث كنت أبلغ من العمر حوالي ‬8 أعوام، وأخي الأكبر كان يبلغ من العمر ‬17 عاماً، وأختي الصغيرة التي كان عمرها ‬4 أعوام، وأخي أمين ‬6 أعوام، ثم أخي محمد الذي كان لا يزال رضيعا يبلغ من العمر ‬6 أشهر، ووصلنا إلى الباخرة عن طريق زورق من ميناء بر دبي، وبعد إبحار الباخرة بنحو ساعة أو ساعتين، هبت عاصفة شديدة، فاضطر الركاب الموجودون على ظهر الباخرة للدخول إلى الأماكن المغلقة لتجنب العاصفة الهوجاء.

لحظات أليمة

ويكمل اللواء شرف الحكاية لـ«البيان» في ما تبدو على وجهه علامات التأثر بتلك الكارثة الإنسانية: نزل الركاب إلى داخل الباخرة، ثم حدث انفجار كبير في أسفلها أدى إلى تدافع الركاب من الداخل إلى سطح الباخرة في ذعر، وفي تلك اللحظات، قام مرافقنا في الرحلة باصطحابي وأخي أمين ذي الستة أعوام لأعلى الباخرة، على أن يعود ليأخذ والدتي وأختي وأخي محمد، وقتها ضاع من يدي أخي أمين وسط تدافع ركاب الباخرة، ولم يتم العثور عليه حتى الآن.

ويتذكر شرف مصير الأهل الذين ذهبوا ولم يعودوا فيقول: عاد مرافقنا في الرحلة إلى أسفل السفينة، لكنه للأسف لم يتمكن من إنقاذ أحد سوى أخي محمد الرضيع، الذي وضعه في إحدى الحقائب الصغيرة ونزل به إلى البحر ليسبح حتى وصلا إلى أحد زوارق النجاة، الذي أخذهما إلى البحرين، حيث مكث محمد هناك لفترة حتى عاد هو والمرافق إلى دبي فيما بعد.

ويقفز إلى ذهن شرف ما حدث له بعدما صعد إلى سطح السفينة قائلا: صعدت إلى سطح الباخرة وكلي حسرة على أخي أمين، الذي أفلت من يدي بسبب الذعر الرهيب الذي أصاب الركاب عقب الانفجار، ثم تم إخلائي من الباخرة بواسطة أحد زوارق النجاة التابع لإحدى السفن النرويجية، الذي توجه بي وبمن معي إلى دبي.

وقال عن رأيه فيما إذا كان يقبل الزيارات ورحلات الغوص إلى «دارا» أم لا، إنه يعتقد أن من يقومون برحلات الغوص إلى السفينة، يذهبون هناك فقط لرؤية ما تبقى من حطام السفينة للاستكشاف، وهو يؤمن أن ذلك لا يعد انتهاكا لأي حرمات، إذ إنه لم يتبق حتى أي شيء من جثث المتوفين على ظهر الباخرة.

يقول بيتر جوردان الضابط الأول على متن (دارا) خلال ليلة الحريق إن انفجارا مدويا وقع في مطبخ السفينة، وامتد صداه إلى غرفة المحركات ثم اخترق السقف ليصل إلى طابقين من طوابقها، حيث الردهة الرئيسية للسفينة واستراحة الركاب، مرجعاً الانفجار إلى قنبلة وضعت على متن السفينة.

ويضيف جوردان: قام الطاقم بإنزال قوارب النجاة، لكن أحد تلك القوارب انقلب بفعل الحمولة الزائدة والأمواج المرتفعة في الماء، فيما كان جزء من القارب الآخر محطما بالفعل بسبب إحدى السفن اليونانية التي كانت ترسو قريبا منا، ثم سحبت المرساة فجأة لتصطدم بمقدمة السفينة وتحطمها ثم تحطم أجزاء من قارب النجاة قبل ساعات من الانفجار، وبدأ هذا القارب الذي كان ممتلئا بالركاب في الغرق بالفعل، لكن قارب نجاة تابعا لإحدى السفن النرويجية قام بإنقاذ هؤلاء الركاب من الغرق، حيث أنقذت تلك السفينة أعدادا كبيرة من الغرق.