لا يبدو أن مزاج الجمهور في العالم العربي سيكون خلال الشهور المقبلة متوافقا مع الرسائل الاعلانية في ظل حالة من الاهتمام المتزايد بنمط محدد من الرسائل الإعلامية، وهو الرسائل الاخبارية، بحسب خبراء شاركوا الأسبوع الماضي في «مهرجان دبي الدولي للإعلانات». وفي الوقت الذي تأثرت فيه نسب المشاهدة بشكل كبير للبرامج الترفيهية، قياسا بنمو في شريحة المهتمين بنشرات الأخبار المواكبة للأحداث المستجدة والبرامج المتعلقة.. في الوقت ذاته يؤكد خبراء في الإعلان أن هذه الصناعة سوف تشهد انخفاضا في الإنفاق بنسبة 3,7٪؛ أي ما يعادل 150 مليون دولار (550,9 مليون درهم)، وذلك في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وتتسبب حالة الجمود التي ستستمر بالسيطرة على السوق المصرية بشكل خاص، وهي إحدى الأسواق الكبرى إعلانيا، في تقليص حجم الصناعة التي تقدر بأربعة مليارات دولار في السنة. وسيطرت على أجواء مهرجان دبي العالمي للإعلانات الأسبوع الماضي نقاشات عن واقع السوق في ظل الأوضاع السياسية الراهنة وتوالي الثورات في المنطقة.
تأثير أمني
وتشير أكثر التقديرات تشاؤما إلى أن الانخفاض في الإنفاق قد يفوق نسبة 10٪، بينما تشير تقديرات، وان كانت نادرة، إلى أن نسبة نمو قد تتحقق بهامش 3 إلى 5٪. هذا يعني أن معدل الانخفاض يصل إلى 3,7٪: «أعتقد بأن انحدار الإنفاق قد يفوق برقم 10٪، وذلك بشكل رئيسي بسبب تأثر الأسواق في منطقة شمال إفريقيا، ولكن أكون متفاجئا، في واقع الأمر، لو بلغت النسبة أعلى من ذلك»، يقول طارق مكناس، الرئيس التنفيذي لمجموعة وكالة «أف بي سفن» في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا. ويضيف: «الشعور العام يسوده الاضطراب». ويشاركه الرأي رضا رعد، رئيس العمليات لهذه المنطقة في الوكالة الإعلانية «تي بي دبليو ايه ـ رعد»، بل يتوقع أن يكون التأثير أقسى.
توازن وتقليل الانحدار
وبحسب تقديرات حديثة لمركز «بان آراب ريسرش»، فإن السوق المصرية احتلت العام الماضي المرتبة الأولى في الانفاق الاعلاني الفردي، مقارنة مع أسواق المنطقة الأخرى.
ومنذ يناير، وصل السوق الإعلاني في مصر إلى حالة من الشلل النهائي بسبب الثورة. ويقول ايلي خوري، الرئيس التنفيذي لمجموعة «اومنيكوم ميديا» في هذه المنطقة إن الإنفاق الإعلاني في مصر قد انحدر بنسبة 50٪ خلال الربع الأول من العام الجديد، لكنه يعتقد بأن «الأمور تعود حاليا إلى سابق عهدها».
لكن خوري يتوقع أن نسبة نمو الإنفاق في منطقة الخليج المقدرة بخمسة في المئة هذا العام، سوف تسهم في إحداث نوع من التوازن وتقليل الانحدار الذي منيت به الصناعة بسبب حالة الجمود في السوق المصرية. ويقول رجا طراد، الرئيس التنفيذي لوكالة «ليو بورنيت» في المنطقة إنه من الصعب التوقع بما سيحصل في أي دقيقة، «يشبه التوقع ألعاب الحظ التي قد تصيب وقد تخيب»، يقول: «من ناحيتي أستطيع التوقع بعدم حصول نمو على الأقل مقارنة بالعام الماضي، لكن قد يتغير الأمر غداً، فالحالة التي نعيشها هي حالة من الغليان والتوتر هو سيد الموقف».
وسائط الإعلام الاجتماعي
وساهمت التطورات السياسية في تأكيد دور الإعلام الالكتروني، وتحديدا وسائط الإعلام الاجتماعي، كنموذج يجذب التدفق الإعلاني على حساب الوسائط التقليدية. وتزامن ذلك مع ارتفاع في معدلات التردد على الانترنت في دول خليجية. ففي الإمارات مثلا، سترتفع نسبة المنازل المتصلة بالانترنت عبر الألياف الضوئية إلى 90 في المئة خلال السنوات المقبلة، بحسب رئيس الممارسات العالمية للاتصالات والإعلام والتكنولوجيا في «بوز أند كومباني»، الشريك، كريم صباغ. وطرح في «قمة الإعلام» في أبوظبي الشهر الماضي سؤال: هل يأتي هذا الاتصال السريع بشبكة الانترنت على حساب بعض العوائد التقليدية لشركات الاتصال والإعلام؟
ويبدو أن المثالين الأكثر حضوراً على هذه المخاطر تواجههما شركات الهاتف المحمول والصحف المطبوعة. ففي ظل سهولة الاتصال بالانترنت تتزايد أعداد الذين يستخدمون الهواتف الذكية لإجراء المكالمات عبر الانترنت. أما الصحف فمن المحتمل ألا يبقى قراؤها في حاجة إلى اشتراكاتهم.
نتائج مثيرة
وفي ما يتعلق بالصحف، عرض صباغ نتائج مثيرة لدراسة أجرتها شركته في ثلاث دول خليجية هي السعودية وقطر والإمارات. إذ تبين أن 77 في المئة من قراء الصحف إما أنهم توقفوا عن قراءتها أو خففوا وتيرة القراءة أو أنهم ينوون التخفيف أو التوقف خلال العامين المقبلين. وفوق ذلك، تشير الدراسة إلى أن 70 في المئة من القراء الذين يتحوّلون من الصحف المطبوعة إلى المحتوى الالكتروني لا يتطلعون إلى المحتوى نفسه، أي أنهم لا يبحثون عن صحيفتهم المفضلة ليقرأوها على الموقع الالكتروني، بل يتطلعون إلى محتوى مختلف.
عائدات إعلانية
هل هي بداية نهاية الصحيفة؟ ليس هذا ما يعتقده صباغ. بل إنه يعتقد بأن العائدات الإعلانية ما زالت تتدفق إلى الصحف، لأسباب منها أن العديد من القطاعات الاقتصادية في الخليج تحررت ودخلت إليها المنافسة، ما زاد أهمية الإعلانات التجارية. كما أن نسبة انتشار الصحف مازالت طاغية على الوسائل الإعلامية الأخرى. ففي السعودية مثلاً، ما زالت الصحف تستأثر بنسبة 54 في المئة من الإنفاق الإعلاني.
لكن ذلك لا يعني أن التحدي ليس على الأبواب. إذ يشير صباغ إلى أن الصحف تخسر على المستوى العالمي ما متوسطه 3 في المئة من دخلها الإعلاني سنوياً، في حين أن الدخل نفسه يرتفع في وسائل الإعلام الرقمية بنسب تتراوح بين 8 و10 في المئة سنوياً. وهذا التحوّل شجع صحفاً عالمية مثل «دايلي ميل» البريطانية، التي خسرت ثلثي قرائها، على التحوّل نحو المحتوى الالكتروني، لكن الحافز لمثل هذا التغيير لم يفرض نفسه على الصحف الخليجية بعد، بسبب استمرار قوة السوق الإعلاني.
وفي المحصلة، فإن مجموعة من العوامل السياسية وتلك المتعلقة بتغير ثقافة التفاعل عبر الوسائط الإعلامية، هي التي تتحكم بالإنفاق الإعلاني في هذه المرحلة.
