كانت معركة «توتن» التي وقعت قبل 550 عاماً بين عائلتي يورك ولانكستر من أجل السيطرة على العرش الإنجليزي، أكبر المعارك التي شهدتها الأراضي البريطانية وأكثرها دموية، وبلغ من ضراوتها الحد الذي تم خلالها فيه القضاء على 1٪ من سكان بريطانيا في يوم واحد، ومع ذلك فإن معظم الإنجليز لا يكادون يعرفون شيئا عن هذه المعركة.
تقول صحيفة «إندبندنت» اللندنية في تقرير لها إن هذا الواقع سيتغير عما قريب، وأن البريطانيين سيعرفون الكثير عن هذه المعركة التي غيرت مسار ما يعرف باسم «حرب الورود»، حيث شارك فيها ما يتراوح بين 50 إلى 80 ألف جندي، وجعلت من عام 1461 عاما مشهودا في التاريخ الإنجليزي. ويقدر المؤرخون أن 28 ألف رجل لقوا مصرعهم في هذه المعركة الدموية.
ويعتزم علماء الآثار البدء في الصيف المقبل في الكشف عما يعتقد أنه يشكل أكبر مقبرة جماعية في بريطانيا، وذلك في موقع يبعد 12 ميلا إلى الجنوب من يورك، بين قريتي ساكستون وتوتون، حيث وقعت المعركة في أحد أيام شهر مارس الجليدية. وقد اكتشف العلماء مواقع القبور باستخدام التصوير الجيوفيزيائي، وبعد أن تمكنوا من الوصول إلى الأرصدة المالية اللازمة سيباشرون في يونيو المقبل الكشف عن مخلفات المعركة.
ويعتقد الاختصاصيون أن هذه المواقع، التي يصل إجمالها إلى 5 مواقع، يمكن أن تكشف بقايا أعداد كبيرة من المقاتلين، الذين لقوا مصرعهم في المعركة.
ويقول تيم ساذرلاند الاختصاصي في ميادين المعارك من جامعة يورك: «إننا نعتقد أنه ستكون في الموقع 3-5 مقابر كبيرة، وهي المقابر الجماعية الرئيسة الموجودة في وسط ميدان المعركة، التي تعتبر المقابر الكبرى. ففي كل مرة يتم الحفر فيها نجد أنفسنا نتجه إلى هذه البقعة على وجه الدقة، وبمجرد إزالة المطر للسطح نبدأ في العثور على رفات القتلى».
وفي محاولة لصيانة الآثار في موقع المعركة، أطلقت جمعية موقع معركة توتون أول مشروع لتوثيق آثار المعركة من قبل خبراء في رصد الآثار المعدنية في موقع المعركة التاريخي، بحيث أنه يمكن الآن محاكمة أي شخص يشاهد في موقع المعركة دون إذن من السلطات المعنية.
والمدهش حقا أنه لم تبق حتى الآن أية سجلات للمعركة، وهذا هو السبب في أنه لم يعرف الكثير عنها. ويعتقد المؤرخون أن ذلك يرجع إلى حملة دعاية مبكرة مكثفة قام بها التيودور.
ويقول جورج غودوين المؤلف والمؤرخ الذي نشر أخيرا، كتابا بعنوان «ألوان قاتلة - توتون أكثر معارك إنجلترا وحشية» ــ يقول: «طشمن التيودور حملة دعاية هائلة لجعل بوزوورث المعركة الرئيسة لأن تلك هي المعركة التي انهت حروب الورود، وقد كانوا هم المنتصرون وأرادوا أن يكتبوا التاريخ حسب هواهم، ولأن توتون كانت انتصارا أحرزته عائلة يورك فإن الأمر لم يكن مفيدا كثيرا لهم».
ويعد الحجم الحقيقي للخسائر قضية لا يزال المؤرخون يتجادلون بشأنها حتى اليوم، وإن كانوا يجمعون على أن المعركة كانت وحشية، حيث خاضت إنجلترا حربا أهلية بين الشمال والجنوب، وتشكل معركة توتون الذروة المخيفة لحكم أصغر ملوك إنجلترا على الإطلاق، وهو هنري السادس المنتمي لعائلة لانكستر.
وقد التقت عائلتا لا نكستر ويورك في توتون في عيد «أحد السعف» الموافق 29 مارس 1461، وكان يوما باردا إلى حد التجمد، وكانت اليد العليا في البداية لعائلة لانكستر، التي تمتعت بأعداد أكبر من المقاتلين وبموقع أكثر ارتفاعا، ولكن مقاتليها تراجعوا عندما هبت عاصفة ثلجية في مواجهتهم، ووصلت إلى ميدان المعركة تعزيزات لعائلة يورك، وسرعان ما تحولت المعركة إلى مذبحة، وتراكمت أكوام القتلى بمرور الوقت.
ويقول غودوين مختصرا ملامح المشهد الدموي: «كان تلك أكثر معارك بريطانيا دموية، وحظي الجيش المنتصر بتصريح بقتل أي شخص، وهكذا انطلق مقاتلو يورك يسفكون الدماء بالمعنى الحرفي للكلمة، ويرجع جانب من تفسير هذا السلوك الوحشي إلى أنه إحساس بشيء غامض قد زحف على المتقاتلين، وكانت هناك كراهية حقيقية للعدو».
