آثار الزلزال وما تبعه من موجات التسونامي التي ضربت اليابان، أخيرا، موجات من الذعر على امتداد العالم، ربما يفوق الآثار المادية التي خلفها الزلزال. وتقول صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، في تقرير حديث لها، إن الأثر المدوي للفزع النووي في اليابان ربما يتراجع الآن، إلا أن الآثار المدمرة للزلزال والتسونامي لاتزال ملموسة. ورغم ان الوقت لايزال مبكر للحديث عن تحليل كامل حول كيفية مصرع الآلاف وتشرد مئات الآلاف من اليابانيين علاوة على الآلاف الذين تقطعت بهم السبل لإيجاد مأوى أو وظائف في واحدة من أغنى دول العالم، إلا أن هناك دروسا ثلاثة علينا استيعابها من الكارثة.
وتقول الصحيفة إن الدرس الأول يتعلق بعدم توفر الجاهزية لمواجهة مثل هذه الكوارث. فقد كانت اليابان مستعدة لهذا الزلزال، ولم تكن مستعدة لموجة التسونامي. فالمشاهد الصادمة من مدينة «ميناميسانريكو»، تلك المدينة التي حولها البحر إلى شظايا خشبية، تعيد إلى الأذهان ما جرى في إندونيسيا في ديسمبر من عام 2004، عندما أزهقت موجة تسونامي مماثلة أرواح 042 ألف شخص. وبعد مرور أسابيع من كارثة اندونيسيا، تم إعداد تقرير لصالح الأمم المتحدة حول الكوارث الطبيعية، أوصى بأهمية إنشاء نظام للإنذار المبكر، وخطة لإجلاء السكان يتم التدريب عليها مسبقاً.
وأشارت الصحيفة إلى أن التقرير لفت إلى أنه كان من الممكن إنقاذ حياة 150 ألف شخص من كارثة اندونيسيا، لو كان هناك نظام الإنذار المبكر. غير أن هذا النظام لم يكن ليساعد كثيراً في اليابان لأن موجة التسونامي ضربت السواحل اليابانية على نحو سريع جداً. لكن خطة الإجلاء كانت ستحدث الفارق، حيث تم فقدان الكثير من السكان خلال محاولتهم الهروب إلى سياراتهم ما أدى إلى ازدحام في حركة المرور. وبما أن ساحل كاليفورنيا وبعض أجزاء من القارة الأوروبية عرضة لموجات تسونامي، فإن ذلك يتطلب اتخاذ الاستعداد اللازم. لكن ذلك سوف يتطلب تمويلا جديداً ودعم من مؤسسات دولية. وحظي التقرير باهتمام المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلا أنها بحاجة إلى الأموال لتنفيذ هذه التوصيات، ويطغى على اهتمامها مسألة إدارة الأمور عقب اندلاع الكوارث ولا يمكنها التعامل مع إجراءات تجنب المخاطر. من جانبها، أبدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التي توفر أنظمة الإنذار للأعاصير، استعدادها لتوسيع التمويل اللازم لكافة الكوارث الطبيعية، ولا يقتصر الأمر على التنبؤ بوقوع الكارثة فحسب، بل إن ذلك يشمل أيضاً تصميم وتطبيق التدريبات المتعلقة بعمليات الإخلاء. فما تحتاجه المنظمة هو دعم من مجموعة خبراء دوليين في مجال في العلوم من أجل تقييم المخاطر.
أما الدرس الثاني، فيتمثل في التسرب الذي حدث من المفاعلات النووية، حيث تأثر 16 مفاعلاً نوويا في اليابان بشدة جراء الكارثة، من أصل 60 مفاعلاً، وانتقلت بكفاءة إلى الإغلاق الأوتوماتيكي بما في ذلك مفاعل فوكوشيما. ولم يكن السبب في ذلك هو الزلزال، بل موجات التسونامي العاتية. ورغم أن مولدات القوى البديلة تم تصميمها للصمود أمام ارتفاع موجات المد البحري إلى مسافة خمسة مترات، إلا أن الموجة الأخيرة التي بلغ ارتفاعها عند الشاطئ سبعة مترات فاقمت الكارثة، حيث أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي الذي كان ضرورياً لاستمرار عمل وحدات التبريد في المفاعلات وضخ المياه حولها. لذلك فإنه يمكن القول إن المفاعلات النووية أكثر اماناً مما نتصور. فلماذا بادرت ألمانيا ودول أوروبية أخرى بتعليق أنشطتها النووية؟. إذن، فالفزع هنا هو الأساس ولا يوجد مبرر علمي لذلك.
أما الدرس الثالث الذي يمكن تعلمه من كارثة اليابان، فيتمثل في غياب ما يسمى بنظام تحليل المخاطر، أو بالأحرى عدم وجود ذوي الخبرة الاستشارية العلمية الذين كان يمكنهم الظهور في وسائل الإعلام وشرح المشكلة وتحليلها، حتى يتغلب صوت العقل على حالة الهلع التي سرت بين اليابانيين وعلى امتداد العالم كالهشيم في النار.
