اضطرت الأحداث التي شهدتها مصر بعد ثورة 25 يناير العديد من أصحاب الإعلانات إلى تقليص ووقف إعلاناتهم من جميع برامج الـ «توك شو» التي كانت تستحوذ على النصيب الأكبر من هذه الإعلانات خلال الأوقات السابقة، في ظل الجماهيرية الكبيرة التي تتمتع بها هذه البرامج، غير أن هذا الانسحاب المفاجئ فتح المجال لطرح العديد من التساؤلات حول تداعيات الاختفاء المفاجئ لتلك لسوق الإعلانية على مستقبل هذه البرامج، وهل أصبح عرش برامج التوك شو في خطر بعد انسحاب الرعاة الرسميين عنها؟.. تساؤلات ناقشتها الحواس الخمس عبر السطور التالية.
يذهب البعض في تفسيره لتراجع السوق الإعلانية، على مستوى برامج الـ «توك شو» في مصر، إلى حالة المواطن الثائر بعد 25 يناير والتي لا تتناسب مع عرض إعلانات لأي سلع، بينما ربط البعض الآخر بين هذا التراجع وقرارات التحفظ على أموال وشركات بعض الرموز وكبار رجال الأعمال الذين كانوا يدفعون قيمة هذه الإعلانات، فيما ذهب فريق ثالث إلى أن اختفاء الإعلانات جاء متزامنا مع سقوط الحزب الوطني وأعضائه من رجال الأعمال الذين كانوا يغزون الفضائيات ومعهم إعلانات جاهزة عن منتجاتهم.
أجور مليونية
وأيا كانت الأسباب فإن التساؤل الأهم هو ما مصير برامج التوك شو في ظل هذا التراجع الإعلاني، وما تبعه من قرارات بخفض الأجور المليونية التي كان يحصل عليها مقدمو هذه البرامج، حيث كشفت تقارير صحفية وصول أجر محمود سعد في برنامج «مصر النهارده» قبل أن يتركه أخيرا إلى 9 ملايين جنيه سنويا، لميس الحديدي التي تقدم برنامج من «قلب مصر» 3 ملايين جنيه سنويا، تامر أمين 150 ألف جنيه شهرياً، منى الشرقاوي 150 ألفاً، خيري رمضان 170 ألف جنيه شهرياً.
أما القنوات الخاصة فحدث ولا حرج، حيث تردد أن منى الشاذلي مقدمة برنامج «العاشرة مساء» تتقاضى 7 ملايين جنيه سنوياً، فيما يتقاضى طاهر أبو زيد عن برنامج «إستاد النيل» مليوني جنيه، وفاروق جعفر مليوني جنيه، بينما تتقاضى الفنانة يسرا على برنامج «بالعربي» على 10 ملايين جنيه. والجدير ذكره أن تلك البرامج كانت تحقق عائدا ماديا ضخما يصل إلى 100 مليون جنيه سنوياً، حيث إنه مرتبط بحجم السوق الإعلانية التي وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ اليوم الأول لثورة 25 يناير.
الوكالات الإعلانية.. الخاسر الأكبر
إلى هنا يرى د. محمد خضر، مدير قنوات دريم الفضائية، أن القناة في برامج التوك شو التي تقدمها لا تتعامل مع رجال أعمال أفراد، ولكن تتعامل مع وكالات إعلانية، والأخيرة هي التي تأثرت بحجم الخسارة الناتجة عن تراجع سوق الإعلانات؛ وإن كان ذلك بالطبع يؤثر على سير العمل بالقناة، حيث لجأت قنوات دريم إلى ترشيد الإنفاق الإعلامي وعدم دخول مشاريع إعلامية وبرامج جديدة. ورداً على تساؤل حول تخفيض أجور مقدمي برامج التوك شو في قنوات دريم، يقول د.خضر إن مقدمي البرامج لديهم تعاقدات، وكإدارة قناة نلتزم بتلك التعاقدات، إلا أن التخفيض والترشيد يشمل بنودا إنتاجية أخرى.
وتابع قائلاً: إن أجور مقدمي البرامج يتم تجديدها على أساس ما يحققه صاحبها من دخل لهذه القنوات، وبرنامج مثل «العاشرة مساء» لمنى الشاذلي لديه إقبال لدى المعلنين، لذا فإن الأجر يكون حسب العائد من الإعلانات.
وأكد مدير قنوات دريم أن هناك سياسة متبعة بالإدارة وهي الفصل بين الإعلام والإعلان، فلا يمكن أن تنتج برامج مثلا لصالح شركة بذاتها ولا تحدد فقرات بعينها لإعلانات الرعاة، كما هو الحال في بعض البرامج الأخرى، لذا فإن تراجع الإعلان لا يعني نهاية البرنامج.
وقد يكون تراجع الإعلانات، بحسب الخبير الإعلاني، أحمد شلبي، ليس سببه تجاريا فقط، بل سببه مهني يعود إلى رغبة بعض برامج التوك شو لاستغلال الفواصل لإذاعة أغانٍ وطنية وصور لأحداث، وهذا هو حال جميع الثورات التي يشهدها العالم، وربما تم تخفيضها من أجل مراعاة مشاعر الجماهير الغاضبة التي لا تحتمل إعلانا في ظل تصاعد الأحداث.
المستقبل
بينما يرى يسري البدري، نائب رئيس برنامج «الحياة اليوم» أحد أهم برامج التوك شو على قناة الحياة الفضائية، أن البرنامج لم يتأثر كثيراً بانخفاض سوق الإعلانات وظل متماسكًا.. مرجعا هذا التماسك إلى نجاح المادة التحريرية، حيث نجح البرنامج في الحصول على المركز الأول في نسبة التأثير على المشاهد؛ لوجود خطة حيادية منذ بداية الثورة وتقديم الرأي والرأي الآخر، حيث كانت المساحة الزمنية المحددة للبرنامج ساعتين فقط ثم أصبح متوسط عمل البرنامج من 12 إلى 14 ساعة يومياً. وأضاف إن السبب الآخر في تماسك البرنامج في مقابل تراجع بعض البرامج الأخرى هو الإصرار على سياسة تحريرية بعينها وعدم ذكر أسماء رجال أعمال أو وزراء في قضايا فساد دون مستندات رسمية تصدر من جهاز الكسب غير المشروع، كما استضاف البرنامج أثناء الثورة بعض الوجوه المشهود لها جماهيريا مثل المهندس حسب الله الكفراوي والشلقاني والدكتور حسام بدراوي الذي أعلن استقالته من رئاسة الحزب الوطني من خلال البرنامج وتناقلت القنوات الإخبارية الخبر من خلال شاشة الحياة، هذا بخلاف متابعة الأحداث التونسية قبل ثورة 25 يناير التي أعطت البرنامج مصداقية.
وعن مستقبل برامج التوك شو، يقول البدري: إن المستقبل للقنوات الخاصة، خاصة مع انعدام منافسة الإعلام الرسمي بعد كارثة تضليل المشاهد المصري في أحداث ثورة 25 يناير.
بدوره يعيد محمد مصطفى، مسئول الإنتاج بقناة الحياة الفضائية، أسباب تراجع سوق الإعلانات إلى إغلاق البورصة والتي أدت إلى وقوع شركات ومصانع كبيرة للسيارات والأدوية وقطع الغيار.
