يبدو التأثير النفسي للعلاج الوهمي في غاية القوة، بحيث أن الأطباء يرغبون بالاستفادة من هذا العلاج لاستغلال قدراتنا لخداع أنفسنا بصورة أفضل.
ومنذ أمد غير بعيد لم يكن غريبا أن يتوفر لدى طبيب العائلة زجاجة تحتوي على بعض الأقراص المعدة للمرضى الذين يعانون توعكات وآلام بسيطة. وفي حين أن هذه الأقراص لم تعد متوفرة للمرضى، فإن تقريرا نشر، أخيرا، كشف أن نصف الأطباء الألمان يعطون لمرضاهم، بصورة حاذقة، أقراصا زائفة لعلاج بعض العلل كاضطراب المعدة، والشعور بتقلب المزاج وسوئه.
وذكرت دراسة حديثة نشرتها الجمعية الطبية الألمانية أن العلاجات الوهمية، التي تعرف في ألمانيا على أنها علاجات غير حقيقية لا تعتمد على أي مكونات فعالة، تشمل أقراص الفيتامينات والعلاجات المثلية وحتى الجراحة، ويمكن أن تثبت فعاليتها في علاج المشكلات الصحية الثانوية، وهي تخلو من الآثار الجانبية تماما.
ويشار إلى أن العلاجات الوهمية الفعالة ظهر تأثيرها إلى الوجود خلال الحرب العالمية الثانية، فقد كان هناك نقص شديد في مخدر المورفين في المستشفيات العسكرية الميدانية، وذات مرة كان طبيب تخدير يدعى هنري بيتشر يستعد لعلاج جندي كان مصابا بجروح بالغة، وخشي بأنه ما لم يعطيه مخدرا فإن الجراحة قد تؤدي إلى إصابته بنوبة قلبية قاتلة.
ووسط هذا اليأس الكبير، حقنت إحدى الممرضات الجندي بمحلول ملحي غير ضار، ولدهشة الطبيب هدأ المريض واستكان وكأنه أعطي حقنة من المورفين، ولم يشعر إلا بألم بسيط خلال العملية الجراحية. وقد شهد الدكتور بيتشر مفعول العلاج الوهمي بأم عينيه من خلال تلك الحالة.
والآن، وبعد مرور أكثر من 70 عاما على تلك الحادثة لا تزال قصة العلاج الوهمي تثير الناس في كل مكان، على الرغم من أن العلاجات الوهمية في بريطانيا عادة ما تقتصر على التجارب السريرية، بالمقارنة مع العلاجات الحقيقية. وافترضت البحوث الأخيرة أن تأثير العلاجات الزائفة لا يقتصر على مجالات محددة كالألم، لكنها قد تحدث تغيرات جسمانية. ففي إحدى التجارب البسيطة التي نشرتها مجلة «ساينس» العلمية، أظهر مرضى يعانون من مرض باركنسون لدى إعطائهم حقنات زائفة، ارتفاع مستوى هرمون الدوبامين في الدماغ، وهذا التأثير يبدو مشابها لما يحدث لدى المرضى لدى إعطائهم علاجات حقيقية.
والمثير للاهتمام أن الدراسة الألمانية وجدت أن فعالية العلاجات الوهمية تعتمد على لونها وحجمها وتكلفتها، حيث وجد أنه كلما زاد ثمنها وزاد توهجها وحجمها زادت فعاليتها لدى المرضى، كما أن الحقنات تعطي مفعولا أقوى من الأقراص.
وربما يتساءل البعض: ما الذي يسبب هذا التأثير القوي للعلاجات الوهمية؟ لا أحد يعرف بالطبع، غير أن القدرة الشفائية للعقل ليست بالأمر الجديد، ففي ثمانينات القرن الماضي اكتشف وجود مورد غني من الأعصاب التي تربط الدماغ بجهاز المناعة، مما أدى إلى نشوء فرع جديد من البحوث الطبية تعرف باسم «المناعة النفسية العصبية»، وهي تفسر هذه الظاهرة على نحو ما.
وليست بالضرورة أن تكون العلاجات الوهمية أقراصا، أو حقنا، فمجرد رؤية المريض للطبيب فإن ذلك يفعل الأعاجيب. ويعتقد الباحث إدزارد إيرنست، وهو بروفسور الطب التكميلي في جامعة إيكستر بإنجلترا، أن سر العلاجات الوهمية يكمن في العلاقة بين المريض والطبيب، أو المعالج الطبيعي.
وتأثير العلاج الوهمي، الذي يناهضه غالبيّة اختصاصيي الصحّة، له حسب بعض الباحثين، تأثير في الدماغ، وقد يكون له تأثير أحياناً في العمليات الجراحيّة. أما المهووسون بالعلاج الوهمي فعلى الأرجح أنهم غير موجودين.
ويدرك الأطباء كافةً أنه يكفي لهم أحياناً أن يجروا لأحد مرضاهم بعض الفحوصات الطبيّة ثم يعطوهم سائلا سحريا لكي تحصل الأعجوبة، ويتحسّن فجأةً الوضع الصحّي للمريض! ومن دون الخضوع لأي علاج، تختفي الأوجاع المزمنة، ويزول ارتفاع ضغط الدم، وتصبح نسبة السكّر في الدم طبيعيّة، ويختفي السعال الناتج عن الربو، أو حتى رجفة مرض باركنسون. وهذا في الواقع هو ما يُعرف بالعلاج الوهمي، أي شبه دواء يحبط توقّعات العلم الغربي الحديث، إذ يعطي نتائج مرضية، تماماً كالأدوية الحقيقية.
ولا يمكن إلا التسليم بهذه الظاهرة الغريبة، وكان أحد أطباء نابليون يلجأ للعلاج الوهمي لمعالجة الإمساك لدى نساء البلاط الإمبراطوري، حيث كان يعطيهنّ أقراصا من لبّ الخبز!.
إن التأثير الغريب لهذا العلاج الوهمي (بلاسيبو) الذي يعني حرفياً باللاتينيّة «سأثير الإعجاب» لا يزال اليوم مهملاً ومرفوضاً من غالبيّة اختصاصيي الصحّة، الذين يعتبرونه خاصاً بالمصابين بوسواس المرض، والذين يعانون الهستيريا، وغيرهم من الأشخاص المصابين بالعصاب النفسي من كلّ نوعٍ وشكل.
