دار نقاش طويل بين العلماء حول ما إذا كانت العبقرية تعد بمثابة نتاج ثانوي للجينات الجيدة أم لبيئة مواتية، غير أن هذا النقاش يواجه تحدياً جديداً ربما يقود إلى اتجاه جديد تماماً. ففي حين يرى البعض أن كل إنسان يمتلك قدرة كامنة في داخله تمكنه من أن يصبح على غرار آينشتاين، يرى آخرون أن العبقري هو ذلك الشخص القادر على إصابة الهدف الذي لا يستطيع الآخرون إصابته أو حتى رؤيته. وأخيراً، كشفت دراسة كندية حديثة أن الذكاء ربما يكون نتيجة لمستوى زائد عن الحد الطبيعي للهرمونات الطبيعية. وتقول مجلة «ساينس ديلي» الأميركية، في تقرير حديث لها، إن الباحث الكندي «مارتي مرازيك»، من جامعة ألبرتا في كندا، الذي أجرى الدراسة، عثر على رابط بين الموهبة والتعرض لنسبة عالية من هرمون التستوستيرون في مرحلة ما قبل الولادة وبين العبقرية لدى الإنسان. وأوضح مرازيك، وهو أستاذ علم النفس التعليمي بالجامعة، أن هناك أدلة تشير إلى أن تعرض الجنين في هذه المرحلة من عمره لمعدلات مفرطة من هرمون التستوستيرون يسهّل زيادة الاتصالات في الدماغ وبخاصة في قشرة الفص الجبهي الأيمن.
وافترض «مرازيك» أن هذا الخلل الهرموني في تنمية الحواس العصبية الحيوية داخل الرحم يعني بالضرورة أن ولادة أطفال موهوبين لديهم ميول في مجالات معينة مثل الرياضيات والفنون أو العلوم. إلا أنه حذر من أن هناك حاجة إلى إجراء مزيد من البحوث لتحديد العملية التي يحتمل أن تكون مسببة لتطور الدماغ لدى الموهوبين. يقول «مرازيك»: «يبدو أن هناك بعض الأدلة على أن التعرض المفرط قبل الولادة لهرمون تستوستيرون يسهل زيادة الاتصالات في الدماغ، وبخاصة في قشرة الفص الجبهي الأيمن». ويضيف: «هذا هو السبب في أننا نرى بعض الناس الموهوبين فكريا يتمتعون بالسمات الشخصية المتميزة التي لا تراها في الأشخاص العاديين».
وجاءت فكرة «مرازيك» من الملاحظات خلال التقييمات السريرية لأشخاص موهوبين، حيث لاحظ الباحث وزميل له بعض سمات محددة بين هذه الحالات. وقد حفز هذا الاستنتاج إجراء نقاش حول دور التطور في وقت مبكر في وضع الأساس لظهور الموهبة.
وتابع «مرازيك» بالقول: «قدم لنا هذا الكشف بعض الأفكار المثيرة للاهتمام حول إمكانية وجود المزيد فيما يتعلق بهذه الفكرة وكون الشخص العبقري مقدرا له سلفا من منظور البيولوجي أن يحظى بهذه الموهبة، بشكل أكبر من كونه اكتسبها من البيئة المحيطة». وأضاف: «يبدو أن الجزء الأكبر من الأدلة المستمدة من التكنولوجيات الجديدة (مثل أشعة الرنين المغناطيسي الوظيفية) يخبرنا أن هناك ما يتجاوز تفاعل الجينات مقابل التفاعلات البيئية».
وأشار إلى أن هناك المزيد بشأن العوامل التي تعوق تطور الدماغ، من هنا فإن التوصل إلى العوامل التي تجعل الأشخاص الموهوبين على هذا النحو يقودنا إلى مجال بحثي جديد. ويأمل «مرازيك» أن الأدوات الحديثة مثل أجهزة أشعة الرنين المغناطيسي سوف تمنح الفرصة لفهم متعمق لدور بيولوجيا الأعصاب في تطور أدمغة الموهوبين. وقال: «الخطوات المقبلة التي سيجريها البحث سترتكز على معرفة ما هي الأسباب المحفزة لهذا التطور غير العادي والاستثنائي للدماغ».
