كم نندهش من هشاشة بيت العنكبوت ودقة بنيانه وغرابة أشكاله، وطالما اندهشنا من تلك القدرة التي تتمتع بها تلك الخيوط الرفيعة الواهية على اصطياد الحشرات والإيقاع بها فريسة لا حول لها ولا قوة. لكن الأغرب من كل هذا هو أن خيوط العنكبوت هي أعظم مصدر للحرير عرفته الطبيعة. وتقول صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، في تقرير حديث لها ان العنكبوت قدم للانسان، على مدار ملايين السنين من التطور، أمتن أنواع الحرير التي استفاد منها الإنسان في مختلف أغراض حياته، بدءاً من الزلاجات حتى أنواع الحفارات القوية المرنة. يقول دكتور «شيريل هاياشي، الذي يقوم بدراسة جينات التطور لحرير العنكبوت في جامعة كاليفورنيا: «ليس هناك نوع واحد فقط من الحرير نقصده. يمكن أن تنظر في الطبيعة، فسوف تجد الكثير من الحلول التي تنتج من الحرير. هل تريد الصمغ؟ هناك بالفعل حرير يصلح استخدامه كصمغ».

على مدار سنوات، كان الحديث يدور حول المستقبل الواعد الذي ينتظر حرير العنكبوت، الذي يتمثل في أن هذا الحرير ربما سيستخدم يوماً ما، على سبيل المثال، في صناعة الكابلات التي تعتبر أكثر متانة من تلك المصنوعة من الصلب، أو السترات الواقية من الرصاص التي تعتبر أكثر فاعلية من تلك المصنوعة من مادة الكفلار المعروفة بخفتها وصلابتها.

ولكن ربما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. فالعناكب لا يمكنها إنتاج الكمية الكافية من الحرير، رغم أن العنكبوت العادي يمكنه إنتاج خمسة أنواع من الحرير، لكن بقدر يسير. ويعتبر إنتاج كميات تجارية من حرير العنكبوت ضرباً من المستحيل من الناحية العملية، ذلك أن العناكب كائنات منعزلة وتحتاج إلى طعام من الحشرات الحية، والبعض منها يتغذى على لحوم البشر. وبمعنى آخر، فإن مسألة تربية العناكب أمر بعيد عن دائرة النقاش.

وتقول «نيويورك تايمز» إن الباحثين يعكفون على التغلب على هذه المشكلة الجوهرية المتمثلة في محدودية نطاق إنتاج الحرير، وذلك من خلال محاولة كشف أسرار قدرات العناكب على صناعة الحرير، حتى يتسنى إنتاجه داخل المعامل، أو من خلال نقل هذه القدرات وراثياً إلى كائنات أخرى يمكنها إنتاج الحرير بكميات كبيرة. لكن حتى الآن، فإن المواد التي تم انتاجها تفتقر إلى المتانة الكاملة والمرونة وغيرها من الخواص المتوفرة في الحرير الطبيعي.

وفي هذا الصدد، يسعى بعض العلماء إلى القيام بمحاولات لتجاوز هذه المشكلة، وإعادة ابتكار نوع جديد من الحرير بكميات وفيرة، حيث وجدوا مبتغاهم في ديدان الحرير. فهم يحاولون إعادة تشكيل الحرير الناتج منه من أجل التوصل إلى مواد يمكن من خلالها تحقيق ما هو أبعد من حلم إنتاج سترات مقاومة للرصاص. ومن بين هؤلاء الباحثين «ديفيد كابلان» وزملاؤه في جامعة «توفتس»، الذين يرجع الفضل لابتكاراتهم في هذا المضمار على الصعيد الطبي وغيره من المجالات الأخرى. فقد تمكن «كابلان» وزملاؤه في جامعتي إلينوي وبنسلفانيا، أخيراً، من انتاج مصفوفات كهربية، يمكن طباعتها على شرائح متحللة من الحرير. يتوقع العلماء أن تستخدم هذه المصفوفات يوماً ما في علاج الصرع وغيره من الحالات دون ترك آثار ندبات تتسبب بها الأقطاب الكهربية الأكبر حجماً.