في عامه التاسع والستّين، يبدو شارلي روز للمجتمع الأميركيّ، وكأنّه الصورة الأقرب للصحافة الملكيّة في مدينة نيويورك. فيوميّاً، يستضيف روز لمدّةِ ساعةٍ كاملة،على هواء شبكة البثّ الشعبيّة (PBS)، وقناة «بلومبيرغ» على مدى السنتين السابقتين، شخصيّات عالية المستوى. يُحرجهم ويُحادثهم بصراحةٍ من غير حدود، ولا تفصل بينه وبين ضيفه سوى طاولةٌ مصنوعةٌ من خشب البلّوط، ومن ورائهم خلفيّةٌ سوداء تماماً. ويُصرّ روز، بخلاف التقليعة التي يُصرّ عليها ضيوف المحاورين الآخرن، على عدم إرسال أسئلته مسبقاً، وفي الوقت ذاته لا يلجأ إلى أسلوب «النقد اللاذع» المنتشر في مختلف البرامج الحواريّة المشابهة. بل يفضّل دائماً استخدام أسلوبه المهذّب الذي نسميّه نحن مناظرةً لطيفة، ويُطلق هو عليه مصطلح «القوس الحواريّ». وبسبب هذا الأسلوب، الذي يعتبره الكثيرون كلاسيكيّاً، يحظى برنامج روز بإعجاب صفوة المجتمع الأميركيّ في مدينة مانهاتن، ولا سيّما الزبائن الدائمين في المطعم الذي سأقابله به.
بعد أنّ تجوّل تقريباً في كافّة أنحاء المطعم الذي قابلته به، بسبب واجباته الاجتماعيّة التي تفرض عليه، بكلّ أدب واحترام، أن يقترب من الأشخاص الذين وقفوا في المطعم لإلقاء السلام عليه. وصل إليى طاولتي، ووضع معطفه على الكرسيّ بشكلٍ عالدي، وأشار للنادل بأن يترك المعطف مكانه، عندما حاول هذا الأخير أخذه. وألقى عليّ تحيّته الأنيسة، بجاذبيّته الجنوبيّة التي ما زلت أُفتن بها، على الرغم من أنّي التقيته عدّة مرّات، كانت آخرها عندما استضافني في برنامجه للحديث عن مشاكل البلد الماليّة.
«كنت سأطلب منك أن نلتقي على العشاء، فالمكان هنا أكثر هدوءاً في فترة بعد الظهيرة»، كانت هذه هي أوّل الكلمات التي حدّثني بها، أنا المحتاطة لأنّني على وشك ان أبدأ حواراً، مع إنسانٍ أكثر ما يميّزه هو القدرة على الحوار، والمَلَكة على ملاحقة من يجلس وإيّاه ليستخلص منه أغلى ما يملك من معلومات.
بعد أن طلبنا من النادل ما اخترناه من طعام، توجّه شارلي إليّ بالكلام مباشرةً ومن دون تقديم، متحدّثاً حول واحدةٍ من أكثر المواضيع قُرباً إلى قلبه، أحد حواراته التي تمّ تصويرها في أفغانستان. قال روز: «إن وظيفتي هي أن أوجّه الأسئلة، وعن أفغانستان، أوّل سؤال يُبادر إلى أذهاننا هو ماذا نفعل نحن الأميركيّون هناك؟ يقول الناس إنّنا هناك لأنّ القاعدة هناك أيضاً، ولكنّ القاعدة في باكستان، وهنا يتحوّل السؤال إلى مالذي سنقوم به حيال باكستان؟».
وهنا أسأله أنا، ما المفروض على أميركا فعله الآن؟ وأنا حذرةٌ من أن أُثير حفيظته، فالمعروف عن روز أنّه لم يتّخذ موقفاً سياسيّاً قطّ على هواء براكجه التلفزيونيّة، وعلى الرغم من أنّ أفكاره ليبراليّة إلى حدٍّ ما، إلا أنّه لم يقف يوماً لدعم أيّ تجمّعات، ولم يُساند الأحزاب الليبراليّة أيضاً. ويجيب عليّ قائلاً: «أنا لا أتحدّث عن اتّجاهاتي السياسيّة، كما أنّني مسجّلٌ بخانة المستقلّين». شرحت له بأنّني حصلت على عملي منذ أشهر، وأنّ لقائي هذا وإيّاه هو امتيازٌ بالنسبة لي خلال هذه الفترة الحساسة بالنسبة لأميركا. فيجيب بإشارةٍ من رأسه: «لا أعتقدن أنّني كنت في يومٍ من الأيّام أكثر حماساً للفرص التي تُقابلني بشكلٍ يوميّ في ظلّ الانهيار الاقتصاديّ وتغيير الإدارة والانتخابات النصفيّة، وحقيقة أنّ الرئيس الصينيّ زار الولايات المتّحدة».
ولكن عندما سألته عن بداية حياته المهنيّة، لم يستعصِ عليه الإجابة إطلاقاً، بل سرد عليّ قصّة حياته، كيف نشأ بإحدى المدن الريفيّة الصغيرة شمال كاليفورنيا، كان والداه يملكان فيها دُكّاناً صغيراً. تمكّن روز من الخروج من تلك المدينة عندما التحق بجامعة «ديوك» بـ«دور هام»، شمال ولاية كارولاينا، ليدرس التاريخ والحقوق، حيث التقى زوجته «ماري» وتزوّجا. عمل في البداية في قطّاع المصارف، ولكنّه أدرك بعد فترةٍ قصيرة أنّ هذا المجال لم يُخلق له، فما أن حصلت زوجته «ماري» على وظيفة في قناة «بي بي سي» بمدينة نيويورك، حتّى التحق بها، ودخل مجال الصحافة، في مجال الإعداد التلفزيونيّ.
حصل التغيير في حياته، عندما طُلب منه أن يقدّم برنامجاً حواريّاً غير مشهور على قناة (CBS)، ويقول روز في هذا الخصوص: «كانت فترة البرنامج تمتدّ بين الثانية والسادسة مساءً، ولم يعتقد القائمون على البرنامج بأنّ ستكون هنالك نسبة مشاهدة، لذا قرّروا تصوير ساعتين بين الثانية والرابعة، ومن ثمّ إعادته لغاية السادسة. ولكن على عكس التوقّعات، تمكّن روز من خلق نسبةٍ عاليةٍ من المشاهدة بسبب أسلوبه اللطيف والجاد، على الجانب الضيوف المهمّين الذين كان يستضيفهم، وبدأ نجمه بالارتفاع عالياً. ويعلّق روز على هذه الفترة: «لقد كان رائعاً أن يكون لديّ ساعتان كاملتان من البثّ، حيث كنت قادراً على استضافة عددٍ من الضيوف والحديث وإيّاهم بإسهابٍ عن مواضيع مميّزة». وفي سنة 1993، بدأ بتقديم برنامجٍ حواريٍّ يحمل اسمه على شبكة «خدمة البثّ الشعبي» (ذس)، وكان لشهرته أن تُطلق جماحها. بعد هذه المقدّمة سألته، هل تعتقد بانّك قادرٌ على استضافة من تشاء في برنامجك الآن؟ ويجيب وهو يتناول بعد قطع الخضرة من طبق السلطة الخاصّ به: «صبح الموضوع أسهر من أيّ فترةٍ أُخرى في حياتي، غلا أنّني ولغاية الآن لم أتمكّن من استضافة الرئيس أوباما. ويزيد على ذلك: «تمكّن من الجلوس مع الوزيرة كلينتون وشخصيّاتٍ كبيرة في البيت الأبيض، إلا أنّ أوباما لم يوافق بعد، وهنالك العديد من الشخصيّات التي أُعجب بمواهبها، أنّني لم لأوفّق لغاية الآن، شأن جاسبر جونز، الفنّان الأميركيّ المعاصر، والرسّام البريطانيّ لوسيان فرويد» ويتابع : «لقد التقيت هارولد بينتر عدّة مرّات، ودارت بيننا حوارات مميّزة قبل موته. وأتمنّى أن أقابل جاك نيكلسون، إلا أنّه لا يظهر في مقابلات تلفزيونيّة، وكذلك مارلون براندو، لم أتمكّن يوماً من إقناعه بأن يكون ضيفي. سيكون من الرائع أن ألتقي نانسي ريغان أيضاً، وأن أجري العديد من الحوارات مع بيل كلينتون حول حياته السياسيّة».
وأفاجئه بسؤاليَ التالي، جول أكثر الحوارات تميّزاً بالنسبة له، فيجيبني بعدم جاهزيّته للإجابة عن سؤالي، وأُتابع برغبتي في معرفة بعض المقابلات الكارثيّة، فيجيب بأنّ المرّة الوحيدة التي غادر فيها أحدهم البرنامج، كانت مع إدواردر تيلر، الفيزيائيّ الأميركيّ من أصول هنغاريّة».
في نهاية الحديث، أردت أن أعرف رأيه بأوبرا وينفري، ليقول لي: «من الرائع أن يتمكّن الإنسان من الوصول إلى المكانة التي وصلتها أوبرا، فهي ليست مقدّمة تلفزيونيّة فحسب، بل إنّها فئة من النساء بحدّ ذاتها، سيّدة أعمال، ففكرة أن تتمكّن من إدارة مجموعةٍ من البرامج، وتستضيف مجموعةً كبيرة من الأشخاص ذوي المواهب، ليس شيئاً عاديّاً أو سهل المنال».
بعد أن اقترب النادل منّنا وبدأ بأخذ الأطباق الفارغة، لم استطع أن أوقف نفسي عن التسائل حول الوُجهة التالية التي سيقصدها «القوس الحواريّ»؟. وفي لحظات قليلة، خلا مطعم من روّاده، فدفعت الحساب والتّجهت خارجاً، لأراه يمشي مرتدياً معطفه البُنّي وكأنّه شخصٌ عاديّ. إلا أنّني ما أن وصلت إلى مكتبي، حتّى فاجأني زميلي بأنّني ومن كنت جالسةً معه لسنا أشخاصاً عاديين، حيث أنّ صفحة مطعم «مايكلز» على موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعيّ كتبت بأنّ تشارلي روز وجيليان تيت تناولا الغداء على إحدى طاولاته.
جريدة «فايننشال تايمز» الأميركيّة
