تمكّن علماء بريطانيون من كشف الغموض حول السلالات الأولى للقبائل التي سكنت بريطانيا منذ أكثر من ‬14 ألف سنة في منطقة تعرف حالياً بـ «سومرسيت». الكشف الجديد هو لقبائل كانت تمتهن الصيد وتعيش على أكل لحوم البشر نزحت بأعداد كبيرة من اسبانيا وفرنسا بعدما تعرضت هذه المناطق لذوبان الجليد نتيجة الاحتباس الحراري.

تقول صحيفة «الأوبزرفر» ان العلماء استطاعوا من خلال بقايا العظام التي عثر عليها في أحد الكهوف ويسمى «جوخ» في تلك المناطق التوصل إلى أن سكان هذه المناطق كانوا يستخدمون أساليب متقدمة في فصل الجلد عن العظم بالنسبة لجثث موتاهم من الرجال والنساء والأطفال، بغرض تناول لحومها كطعام ما يلقي الضوء من قريب على سلالة آكلي لحوم البشر في أوروبا.

ويقول كريس سترينغر الأستاذ بمتحف التاريخ الطبيعي في لندن: «كان هؤلاء السكان يتعاملون بطرق خاصة مع جثث الموتى، على نفس النحو المتقدم في التعامل مع جثث الحيوانات. فقد كانوا يستخلصون من هذه العظام كل ما تطاله أيديهم من لحم».

ويعزو العلماء النجاح في التوصل لهذا الكشف إلى ثورتين تقنيتين، الأولى تقنية تحديد العمر الزمني باستخدام الكربون. أما الثانية فهي استخدام ميكروسكوب ثلاثي الأبعاد؟ حيث تمكن علماء من متحف التاريخ الطبيعي في لندن من تصوير آثار القطع الموجودة على العظام البشرية والحيوانات التي عثر عليها في الكهف. يذكر أن كهف «جوخ» معروف جيداً لدى علماء الأحياء الطبيعية، إلا إن مسألة أكل لحوم البشر لاتزال مثار جدل حول ما إذا كانت تمارس لأسباب دينية أو أنها كانت تتم عمداً.

غير أن دكتور «سيلفيا بيللو» الأستاذ بمتحف التاريخ الطبيعي وجدت أن عملية سلخ اللحم عن العظام كانت تتم بواسطة الأداة نفسها المستخدمة لهذا الغرض بالنسبة للحيوانات، مما يرجح بأن ذلك كان يتم من أجل الغذاء.

يأتي الكشف الجديد بعد سنوات من النتائج التي توصل إليها علماء دانمركيون منذ بضع سنوات حول موجات الهجرة التي قام بها الأجداد الأول للبريطانيين. وتقول «الأبزرفر» إنه بعيداً عن حركة الاستعمار للأراضي البريطانية التدريجية التي قام بها الأسلاف، فإن تفسير علماء العصر الحديث لهذه الحركة يتجه نحو القول انها كانت تتسم بالسرعة والمأساوية والدموية. كما يعطي الكشف الجديد تفسيراً واضحاً حول سبب التغيرات المناخية التي طرأت على الأرض خلال تلك الفترة الزمنية، حيث تشير القراءة الأولية لبيانات الكشف إلى أن هذه القبائل قامت بهجرة سريعة إلى الأراضي البريطانية في نهاية العصر الجليدي الأول بعد شعورهم بحالة من عدم الاستقرار. وأوضحت الصحيفة أن العلماء لم يتوصلوا حتى الآن إلى تفسير عملي واضح لهذا الارتفاع المفاجئ في درجة حرارة الأرض في تلك الفترة والذي تراوح ‬6 و‬7 مئوية، وأدى إلى زيادة ذوبان الجليد التي عمت معظم أرجاء الأرض. وظلت ظاهرة أكل لحوم البشر التي كانت تمارسها هذه القبائل منذ أكثر من ‬14 ألف سنة لغزاً محيراً للعلماء لسنوات بعيدة. وحاول البعض وضع نظريات للوقوف على توضيح سبب هذه الظاهرة، أبرزها أنها كانت تتم بوازع ديني أو عقائدي يفترض أن أكل قطع صغيرة من لحم أحد أفراد العائلة هو من باب الإجلال والتقدير.

فيما ذهبت بعض التفسيرات بافتراض إلى ان سبب ذلك يرجع إلى عدم وجود مصادر طعام أخرى متاحة في ذلك الوقت نتيجة حالة التجمد المناخي.