شكل الانهيار الكارثي لبعض معابر الطرق السريعة المقامة فوق نهر الميسيسيبي بالولايات المتحدة دافعاً للباحثين للقيام بتطوير شبكة من المجسات، لجعل تلك التراكيب آمنة بدرجة أكبر.
وتتحدث الباحثة سوجاتا غوبتا عن التقنية الجديدة فتقول: «وقفت في داخل إحدى قاعات شركة (أكسلنت تكنولوجي) في سونيفيل بكاليفورنيا، وكانت كرة البيسبول بيدي، وأمامي لوحة بلاستيك صلبة سوداء. ثم ألقيت الكرة فارتطمت بالطاولة مصدرة صوتاً قوياً. وصدر عن جهاز الكمبيوتر الذي أحمله في يدي اليسرى صوت يقول: «لقد تم رصد صوت ارتطام على اللوحة الثانية، تبلغ قوته 86 رطلاً».
وهذه اللوحة هي مجرد مثال على جيل جديد من المكونات والتراكيب الذكية القادرة على الإبلاغ عن الأضرار الميكانيكية في الجسور أو أي تآكل فيها، في حال حدوثه. وقد يتم في وقت قريب تركيب مجسات مصممة لاستخدام هذه التقنية في المباني والجسور وعدد كبير من الأجهزة، بدءاً من السيارات والطائرات، وانتهاء بالمدرعات، حتى يتسنى تغيير المكونات المهمة قبل أن تتعطل.
وقد لقيت هذه التقنية المتقدمة اهتماماً خاصاً من قبل القائمين على البنية التحتية المتهالكة لوسائل النقل الأميركية. والمعروف أن نحو نصف الطرق العامة وجسور السكك الحديدية في الولايات المتحدة ستحتفل بمرور نصف قرن على بنائها بحلول عام 2020.
يقول جيروم لينش مدير «مختبرات تقنية التراكيب الذكية» في جامعة متشيغان الأميركية: «إننا نواجه مشكلة جسور أقيمت في عصر الازدهار الأولى الذي أعقب الحرب العالمية الثانية. ولدينا الآن ديموغرافيا سكانية هرمة، وعادة ما يصاحب كبر السن تدهور كبير.
وجاءت دعوة الاستيقاظ الكبرى في هذا الصدد مع انهيار جسر للطرق السريعة فوق نهر الميسيسيبي في مينابولس في أغسطس 2007. وقد انهار الجسر في ذروة الازدحام المروري، ونجم عن هذا الانهيار مصرع 13 شخصاً وإصابة نحو 150 آخرين بجروح. وعزا التحقيق، الذي أجراه مجلس سلامة المواصلات الوطني، الحادث لعيوب في التصاميم، غير أن الانهيار سلط الضوء على الحاجة لمزيد من عمليات التفتيش الصارمة على عناصر البنية التحتية الأميركية.
والمعروف أن مفتشي المباني في الولايات المتحدة يصادقون على عمليات التفتيش مرة كل عامين، ولكنهم قد لا يتمكنون من رؤية التشققات الصغيرة والمشكلات الأخرى في الأماكن التي يصعب الوصول إليها. لذلك قام «المعهد القومي للمعايير والتقنيات» الأميركي بابتكار برنامج قبل 3 سنوات لمعالجة مشكلات الأمان التي هي بأمس الحاجة للمساعدة القومية، وتم إنفاق مئات الملايين من الدولارات لتطوير مجسات تنحصر مهمتها في مراقبة الجسور.
ويتم حالياً اختبار العديد من الأنظمة المرتكزة على عمل مجسات الكهربية الاجهادية. وتستطيع هذه الأجهزة القيام بدور مزدوج، فعلاوة على توليدها لتيار كهربائي صغير لدى تذبذبها، بهدف مراقبة تذبذبات التراكيب بصورة خفية، تستطيع أيضاً البحث عن العيوب بصورة فعالة. وكما يستخدم جهاز المسح الإشعاعي الطبي الذي يعمل بالموجات فوق الصوتية لتصوير الأعضاء الداخلية للجسم، فإن المجسات الكهرو إجهادية الفعالة تستطيع إرسال إشارة صوتية إلى الأجزاء الداخلية من الجسر، ومن خلال الإنصات إلى الإشارة المرتدة تستطيع رصد أي تغير شاذ في بنية الجسر، كوجود شقوق أو مناطق تعاني من إجهاد غير عادي فيه.
وفي تطور آخر تعتزم شركة «التقنيات الموزعة للمجسات» في سانتا كلارا بكاليفورنيا بالولايات المتحدة، تطبيق تقنية أخرى مختلفة قليلاً عن سابقتها، وتتمثل باستخدام ليفة بصرية واحدة للقيام بعمل مئات المجسات غير المترابطة. وتكمن الفكرة في مط الألياف المشدودة ووصلها بالجسر، وتغير الشقوق والعيوب قوة التذبذبات الملتقطة بواسطة الليفة، وهذه بدورها تغير الطريقة التي يسير فيها شعاع الليزر. ثم يجري تحليل هذه المعلومات بواسطة الكمبيوتر، مما يتيح التعرف على المشكلة، وتحديد مكانها.
ولو أمكن تطوير هذه التقنيات مبكراً لأمكن التعرف على الأعطال التي أصابت مكوك الفضاء كولومبيا الذي أطلق في يناير 2003، حيث حطمت قطعة من الحطام الفضائي رقاقات الوقاية الحرارية فيه. ولم يلاحظ أحد الأضرار التي أصابته، مما نجم عن ذلك تحطم المكوك. ويقترح الباحثون تركيب رقاقات حرارية ذكية للحيلولة دون تعريض رواد الفضاء للخطر. لذلك تم بناء نسخة أولية، ووضعت في داخل التراكيب مجسات راصدة للاصطدام. ويؤكد مطورو هذه التقنية أنه يمكن استخدامها في كل التراكيب في المستقبل القريب.
