يحفر فريق من الباحثين الدوليين عميقاً عبر فوهة بركان مائي يهدد الساحل الإيطالي، للحيلولة دون حدوث كارثة بشرية. ويأتي ذلك بعض حدوث أمر مثير للإزعاج تحت مدينة بوزولي في مقاطعة نابولي الإيطالية. فهذه المدينة آخذة بالارتفاع فوق سطح الأرض بسرعة كبيرة. وتبدو الأسباب في غاية الخطورة، فالخليج المقامة عليه المدينة يرسو فوق فوهة شاسعة تشكلت تحت الماء بفعل الانفجارات البركانية. وتدعى هذه الفوهة «كامبي فليغري»، وهناك علامات على نفاد صبرها، وأن سكونها المطول قد انتهى عهده.
وقد ساهمت سلسلة من الاضطرابات البركانية في جعل منطقة يبلغ قطرها 3 كيلومترات ترتفع لمسافة تزيد على 3 أمتار، مقارنة بما كانت عليه عام 1969، فيما تستقر المدينة نفسها على قمة الفوهة البركانية. وإذا انفجرت هذه الفوهة فمن المرجح أن دماراً شبه كامل سوف يمتد فوق مساحة تتراوح بين 2 و4 كيلومترات، فيما سيسبب الرماد المتساقط ارتباكاً شديداً للحياة في مدينة نابولي المجاورة. لذلك قرر فريق من الخبراء العالميين اتخاذ إجراءات مباشرة. ويعتزم الفريق الحفر في داخل الفوهة لاستكشاف ما يحدث هناك، على أمل توفير وقاية أفضل للسكان المحليين في المنطقة البالغ عددهم 85 ألف شخص.
وتعتبر الفوهات الموجودة تحت الماء من أخطر البراكين الموجودة على سطح البسيطة. وقد تشكلت نتيجة للانهيارات الأرضية الناجمة عن انفجارات بركانية ضخمة، ولا تعرف آليات تلك الانفجارات البركانية بشكل كبير. وفي حين أن الخبراء اكتسبوا معلومات وفيرة بشأن عمل البراكين الواقعة على سفوح الجبال والتي تقذف بحممها في الجو، غير أنه لا توجد لديهم أدنى فكرة عما يحدث في داخل الفوهات المائية.
ويشير الباحثون إلى أنهم على وشك الحصول على معلومات جديدة سوف تساعدهم على فهم الفوهات البركانية المنتشرة على امتداد العالم. كما ستساعد الحفرة التي سيشقونها عبر الفوهة المائية في إيطاليا على فتح نافذة غامضة جداً على المعلومات المتعلقة بأخطار البراكين الأرضية. والأهم من ذلك أنه قد تساهم المعلومات المستقاة من عملية الحفر في إنقاذ عشرات الألوف من السكان.
ويأمل الباحثون في البداية بفحص الصخور المستخرجة من الفوهة البركانية، لمعرفة المزيد عن الارتجاجات السفلية التي تعقب ذلك. ويشيرون إلى أن جمع عينات من الترسبات البركانية العميقة في أهم المناطق سيساعدهم على إعادة تجميع التاريخ المتفجر لها وتحديد السيناريوهات المستقبلية المحتملة. ومن خلال قياس أبعاد الصخور، كنفاذيتها، مدى صلابتها ومرونتها، يمكن تحديد أسباب عمليات الرفع التي تحدث دون أن تكون هناك ثورانات فورية للفوهة البركانية، وبالتالي معرفة ما يجب توقعه قبل حدوث الثوران التالي.
وفي المرحلة التالية سيتم إرسال مجموعة من الأجهزة عبر البئر المحفورة للحصول على معلومات تتعلق بالأوضاع الموجودة في أسفل الفوهة. وسيزيد الباحثون عدد المجسات الحرارية التي تحدد انهيار التربة والهزات المتولدة، وهذا سيزيد من قدرتهم على استشعار أضعف الإشارات المتعلقة بالثورانات البركانية الوشيكة. ويشير الباحثون إلى أنه من خلال قياس درجات الحرارة في أعماق أجزاء البئر، يمكن تحديد العمق الدقيق لحجرة المواد المنصهرة.
ومن الطبيعي أن يحمل ثقب بركان متطاير في طياته بعض المخاطر. ويدرك الباحثون في «مركز البحوث الخطرة» في جامعة نابولي ومرصد فيزوف بإيطاليا، الأخطار الكامنة التي قد يواجهونها، وهم يعتقدون أن المنطقة المحيطة بفوهة بركان «كامبي فليغري» قد تتعرض لأضرار كبيرة، لذلك فمن الضروري إجراء تحقيق لمعرفة مدى تلك الأضرار.
يقول كريس كيلابورن، وهو أحد الباحثين، في هذا الصدد: « هناك مئات من الفوهات البركانية كهذه الفوهة على امتداد العالم، والأماكن المحيطة بها من الضخامة، بحيث انه لا توجد لدينا أدنى فكرة أننا نقف فوق إحدى تلك الفوهات».
ومنذ الانفجار الأخير للفوهة البركانية الإيطالية في عام 1538، بدأت تخمد تدريجياً قبل أن تبدأ عملية الرفع للمنطقة في عام 1968. وهناك خوف من أنه بعد خمود البركان لمدة 500 عام، وهبوط الأرض بمعدل 1 سنتيميتر في العام، كحد أقصى، فإن ارتفاعها لأمتار عدة ربما يكون ناجماً عن دفع الصخور المنصهرة باتجاه سطح الأرض. وإذا صح هذا الاستنتاج فلربما يكون هناك انفجار وشيك للبركان.
وقد ضربت مدينة بوزولي هزات أرضية عدة في ثمانينات القرن الماضي، مما دفع السكان لإخلائها جزئياً، وتعرضت المباني لأضرار جوهرية نتيجة عملية الرفع. وبرغم ذلك يشير الباحثون إلى أن الثوران الأخير للبركان سبقه 100 عام من الارتفاع للمدينة لمسافة 15 متراً.
