«عودة جديدة إليك عزيزي المشاهد مع تغطية إخبارية متواصلة عبر منبر قناة (...)».. بهذه العبارة تبدأ- عادة - معظم النشرات الإخبارية في مختلف القنوات الإعلامية، ليقفز إلى المشاهد عدد لا نهائي من المعلومات المتدفقة، يتلقاها البعض بصورة عفوية باعتبارها المصداقية التامة، بينما يقوم البعض الآخر بتحليل هذه المعلومات للتثبت من مدى مصداقيتها وفق ما لديه من معلومات مسبقة وخلفية ثقافية تتيح له التعاطي مع أو ضد ما تقدمه هذه القناة أو تلك.. لكن هل تتساوى التغطية الإخبارية في الأوقات العادية مع أوقات الأزمات كتلك التي تشهدها مصر حالياً، أو التي شهدتها تونس قبل أسابيع، ما وضع الإعلام العربي في اختبار صعب، لاسيما بعد اتهامات بأنه المحرك الرئيس لهذه الأزمات؟ واتهامات أخرى بافتقاد الحياد.. فما الضمانات المهنية لإعلام صادق في ظل الأزمات؟

البداية مع د.سامي الشريف، أستاذ الإعلام الدولي بجامعة ‬6 أكتوبر، الذي أكد أنه في ظل المنافسة الشديدة لوسائل الإعلام للحصول على تغطية إخبارية ساخنة تقع بعض القنوات والصحف في مأزق السبق الإعلامي والمصداقية في ظل صراع إعلامي محتدم، فتسعى بعض القنوات إلى تحقيق السبق قبل الأخرى، مشيرا إلى أن هناك مدرستين بهذا الشأن، الأولى تغلّب المهنية والدقة على السبق، والأخرى تغلّب السبق الإعلامي ثم تتحقق من صحته فيما بعد، مؤكدا تأييده للمدرسة الأولى خاصة في أوقات الأزمات والحروب حتى لا تصبح الوسيلة الإعلامية أداة للبلبلة وتهييج الجماهير في أوقات حساسة تضر بالأمن القومي.

تغطية قاصرة

ووصف الشريف الخطاب الإعلامي في كثير من الأحيان بأنه يكون خطابا مؤدلجا، بحكم انتمائه إلى عقيدة أو وطن أو نظام، وأكد أن الحياد التام الذي يدعيه البعض في التغطيات الإعلامية ليس صحيحا.

وأضاف: لكن على الرغم من تلك الانتماءات، فمن الضروري مراعاة الحيادية في نقل الأحداث منعا لتشويه الحدث أو تحوير معناه، فنجد القنوات المصرية أثناء تغطية الأحداث الأخيرة ظهرت وكأنها غارقة في النوم ومغيبة عن الأحداث في بداية الأزمة، وما لبثت أن اضطرت إلى الاستيقاظ من سباتها بعد تفاقم الأمور، لافتا إلى أن السبب قد يكون تهدئة الأوضاع الملتهبة بالفعل، مؤكدا إمكانية ذلك في حال كانت هي القنوات الوحيدة التي تغطي الأحداث، وهذا ما لم يحدث.

وأشار إلى أنه في ظل الأقمار الصناعية التي دفعت إلينا بعدد لا يحصى من القنوات الفضائية العربية منها والأجنبية لم تعد القنوات المصرية هي المصدر الوحيد للمعلومات، وبالتالي فإن التغطية القاصرة للأحداث دفعت جمهورها للعزوف عنها والاتجاه إلى الفضائيات بما يحمله كل منها من أجندات خاصة.

وحذر الشريف من تغطية الأحداث من وجهة نظر سياسية أو أيديولوجية، منوها بأن من الأخطاء المهنية التي تقع فيها بعض القنوات خاصة أثناء الأزمات، أن بعضها يبث الأخبار والرؤى وفقاً لما يناسب سياسة القناة فقط، وهذا لا يتناسب مع مواثيق الشرف الإعلامية.

ولفت إلى أن الكثافة الإعلامية في مثل هذه الأحداث أمر طبيعي، لكن الخطأ في التغطية المتحيزة التي تشوه ما يحدث في كثير من الأحيان.

منطق مفقود

«صوت المنطق مفقود غالباً» بهذه الكلمات بدأ د. صفوت العالم، أستاذ الإعلام السياسي، موضحا أنه على الرغم من انفتاح العالم وقنوات الاتصال، فمن المفارقات التي نجدها في التغطية الإعلامية للأزمات نقصان المعلومات الصحيحة وضياع الحقيقة وسط كم هائل من المعلومات المتدفقة التي تفتقد التوثيق والمهنية.

وأوضح أن وسائل الإعلام يصعب عليها عكس الواقع بشكل كامل، فتلجأ إلى نقل جزء منه بما يتوافق مع الرؤية التي تعمل من خلالها، مشددا على ضرورة إدراك الإعلامي المسؤولية الاجتماعية خلال تغطيته ومعالجته للحدث، خاصة مع تسارع الأحداث أثناء الأزمات.

واختصر العالم أسباب تراجع مهنية الإعلاميين أثناء الكوارث والأزمات إلى عاملين رئيسيين أولهما التضييق الأمني على الإعلاميين وصعوبة التنقل بين مواقع الأحداث، إضافة إلى تعتيم المصادر الرسمية على المعلومات الخاصة بالأزمة، وميلها إلى توفيرها فقط للوسائل التابعة لها، مشيرا إلى التلاعب الذي يتم في الإدارات الإعلامية من قبل بعض المسؤولين لتقديم تغطية إعلامية لصالحها.

موازنة

بينما يرى د.محمود علم الدين، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، أن التغطية الإعلامية الخاصة بالأزمات تختلف عن الخاصة بالأحداث الوقتية أو العامة، مشيرا إلى ضرورة الابتعاد عن القناعات الشخصية في عرضها.

وصنف الجماهير في الأزمات إلى ‬3 أنواع قياسا على الأزمة المصرية بأن هناك الجمهور العربي والمتابعين لما يحدث في مصر من الخارج والذي يحصل على انطباعاته من تلك التغطيات، والنوع الثاني هو الجمهور المصري المتابع للأحداث من داخل المنازل وهو سهل إثارته لقلة المعلومات المتوافرة لديه، وبالتالي يبحث عن القناة أو الصحيفة التي تضعه داخل الحدث بغض النظر عما تعرضه، أما النوع الثالث فهو الجمهور الموجود في ميدان التحرير الذي من السهل استفزازه بواسطة معلومات مغلوطة، مشيرا إلى ضرورة العمل على مراعاة الدقة والمسؤولية القومية تجاه ما يحدث.

وعن الضمانات المهنية للتغطية الإعلامية قال علم الدين إن التواجد الميداني من أهم ضمانات الحصول على معلومات مؤكدة وموثقة من جانب مراسلي القناة أو الصحيفة، مع الحرص على إجراءات السلامة، بالإضافة إلى الاعتماد على المصادر الموثقة وليس شهود عيان وهميين مثل «أشخاص قالوا» أو «سمعت»، مرجعا السبب إلى أن هؤلاء الأشخاص يعانون من صدمة نتيجة ما تمر به بلادهم، وبالتالي قد يلجأون إلى تهويل الأحداث أو التهوين منها لحماية أغراض معينة.