بعد ثلاثة عقود من الخدمة سيشهد العام الجاري آخر مهمة لانطلاق المكوك الفضائي الأميركي من قاعدة «كيب كانافيرال» بالولايات المتحدة. وللمرة الأولى منذ بدء السباق الفضائي في خمسينات القرن الماضي، يبدو مستقبل الاستكشافات الفضائية غامضا.

وشهدت السنوات الخمسون الماضية خبراء الفضاء الأميركيين يتنقلون بصورة سلسة، تقريبا، من برنامج فضائي إلى آخر. مع تطوير القوى العظمى مركبات جديدة وأرصفة فضائية تهدف لتوسيع مدى الرحلات الفضائية. ولكن مع إلغاء الرئيس الأميركي باراك أوباما برنامج «الكوكبة» الفضائي، الذي كان يهدف لإعادة غزو الولايات المتحدة للقمر، حولت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» اهتمامها لطموحات فضائية أوسع. ومن بين الأفكار التي تم تداولها مركبات مأهولة برواد فضاء يتم إرسالها إلى كويكبات فضائية وصولا إلى المريخ.

ومن المؤكد أن التحدي اللوجستي سيكون مروعا. والمعروف أن أطول مهمة فضائية مأهولة حتى الآن بلغت مدتها ‬438 يوما، وقد أتمها رائد الفضاء الروسي فاليري بولياكوف، وكانت على متن مركبة الفضاء الروسية «مير»، وتمت في عام ‬1995. وكانت تلك الرحلة استثنائية بكل المعايير، فمن بين مئات رواد الفضاء الذين أتموا مهامهم الفضائية، لم يمض معظمهم في الفضاء سوى بضعة أيام. ومع ذلك يحفل المستقبل بمهام فضائية طويلة الأمد، بفترات طيران تقاس بالشهور والسنين، وليس أياما وأسابيع.

غير أن حالة انعدام الجاذبية لها تأثير سلبي على جسم الإنسان وعضلاته وعظامه، مع تخلصه من أعباء الجاذبية والفضلات بمعدل ينذر بالخطر. وفي المتوسط، يفقد الإنسان من أجزاء جسمه التي تحمل أثقالا من وزنه نحو ‬2٪ من كثافة معادن العظام، بما فيها كعبا القدمين، الركبتان، والجزء السفلي من الظهر، وذلك في كل شهر يقضيه في الفضاء. كما أن القلب، وهو بحد ذاته مضخة عضلية، يتبدد بصورة تدريجية.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالضعف الناجم عن الجاذبية الذي يـُفقد عيني رائد الفضاء ويديه تناسقهما، يبدو كافيا للتسبب بمشكلات للرواد أثناء الهبوط اليدوي. ويشعرهم بالغثيان، ويخمد جهاز المناعة لديهم، ويؤدي إلى فقر الدم. هذا قبل أن نفكر بخطر الإشعاعات، علاوة على التحديات النفسية.

ولا توجد رحلة فضائية بدون ثمن، وهذا يصب في صالح الإنسان. وقد ذهب بعض العلماء إلى حد بعيد، بحيث أنهم افترضوا أن المهام الفضائية الطويلة تكاد تكون مستحيلة، فالجسم البشري لا يستطيع التعامل معها، أو تحملها. غير أن العلماء يؤكدون أنه لا توجد، في الحقيقة، معوقات أساسية في المهام الفضائية طويلة الأمد.

ويمكن حل مشكلة انعدام الجاذبية من خلال تقليص الفترة الزمنية التي يتعين على الرواد قضاءها في الفضاء، وذلك من خلال استخدام مركبات فضائية أسرع، أو استخدام عربات تدور حول نفسها لتوليد جاذبية اصطناعية، وهذا ممكن من الناحية التقنية. وربما يكون خطر الإشعاعات أصعب قليلا، ولكن يمكن التغلب على هذه العقبة أيضا. فإبقاء مسافة بين رواد الفضاء وبين مصدر الإشعاعات، يعتبر بادرة أولية جيدة، ويعمل الماء بصورة جيدة كواق خامل من الإشعاعات، كما تبدو الدروع الكهرومغناطيسية النشطة واعدة في هذا المجال.

وقد تبدو بعض هذه الحلول نوعا من قصص الخيال العلمي، ولكنها قابلة للتحقيق في الواقع، في غضون قرن من الزمن، وربما يتحقق بعضها في غضون عقود قصيرة. وفي السنوات الأخيرة درست وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» استخدام العربات الفضائية الدوارة، ووسائل السفر البلازمومغناطيسية، كالصواريخ البلازمومغناطيسية ذات النبضات النوعية المتغيرة. ويتم هنا تسريع الجزيئات المشحونة باستخدام مجالات كهرومغناطيسية لدفع العربات للأمام.غير أن كل هذه الطموحات الفضائية تعتمد على استغلال برامج الطيران الفضائي المتاحة الآن، للسماح بحدوث استكشافات مستقبلية.

والعقبة الرئيسية الكأداء في سبيل تحقيق المهام الفضائية طويلة الأمد ليست علمية أو تقنية، وإنما هي سياسية واقتصادية. فهناك نقص كبير في الأموال المتوفرة لبرامج الفضاء.