في قديم الزمان، وقبل أكثر من مئة ألف سنة، كانت منطقة توشكى بمصر عبارة عن بحيرة عظمى تضاهي في ضخامتها أضخم بحيرات العالم، لكنها تحولت الآن إلى صحراء مجدبة تغطيها الرمال. واكتشف علماء الجيولوجيا أن هذه البحيرة تعاظمت ثم تضاءلت وغارت في باطن الصحراء المصرية. وأكدت الصور الرادارية التي التقطها أحد المكوكات الفضائية الأميركية أن بحيرة أضخم من بحيرة «إيري» امتدت مئات الكيلومترات غرب نهر النيل. ومنذ ظهور البحيرة قبل نحو 250 ألف سنة تضخمت ثم تضاءلت، قبل أن تنحسر في نهاية المطاف، وتتلاشى قبل نحو 80 ألف عام.
وقد تساعد معرفة مكان وزمان تكوّن تلك الواحة الصحراوية علماء الآثار على فهم الإنسان البيئي العاقل الذي تنقل في المنطقة أثناء هجرته إلى خارج إفريقيا للمرة الأولى. وقد ظهر الإنسان الحديث في إفريقيا قبل 200 ألف سنة.
يقول تيد ماكسويل، قائد فريق البحث الجيولوجي في متحف سميثوسيان بواشنطن في هذا الصدد: «الجميع يدرك أن هذه المنطقة كانت في الواقع مليئة بالبحيرات الهائلة في الوقت الذي كان الإنسان يتنقل في بقية مناطق العالم. وكانت بحيرة توشكى تغطي مساحة تزيد على 60 ألف كيلومتر. وفي أزمان أخرى تدفقت مياه أقل في الحوض الأرضي المنخفض عن سطح نهر النيل، مما أدى إلى تقلص البحيرة.
ومنذ ذلك الحين جرفت الرياح الصحراوية معظم سطح المنطقة، كما يقول علماء الجيولوجيا في جامعة تورنتو، وخلال فصل الصيف الميداني المقبل، سيقوم هؤلاء العلماء بفحص الخطوط الساحلية القديمة بمستويات جديدة من خلال دراسة جديدة تم اقتراحها.
وقد اكتشفت دراسات أخرى بحيرات هائلة في تشاد، ليبيا، السودان، ومناطق أخرى كانت موجودة قبل 250 ألف عام. أما الدراسة الجديدة فقد استهدفت منطقة في مصر تبعد نحو 400 كيلومتر غرب نهر النيل، حيث عثر الباحثون في تلك المنطقة الصحراوية في ثمانينات القرن الماضي على أحفورات لأسماك كانت تعيش في البحيرة المختفية.
وقد دفع ذلك الاكتشاف العلماء للتفكير بكيفية وصول الأسماك إلى تلك المنطقة. وفي عام 2000 استخدم رواد الفضاء في المكوك «إنديفور» جهازاً رادارياً لالتقاط صور فائقة الدقة لطوبوغرافيا المنطقة. وحلل علماء الجيولوجي تلك الصور في الآونة الأخيرة لمعرفة كيف جفت المياه في أرجاء شمال غرب إفريقيا قبل مئات آلاف السنين، أي منذ نشوء نهر النيل.
وفي غرب وادي النيل، وفي منطقة توشكى بالذات، رصد الباحثون منطقة منخفضة كانت تتجمع فيها المياه بعد تدفقها من النهر، وكانت تنقل الأسماك معها. وفي أوج حجمها امتدت هذه البحيرة القديمة لمسافة 350 كيلومتر، وصولا إلى حدود السودان الحديث.
في ذلك الوقت، كانت تهطل على منطقة توشكى أمطار أغزر من هذه الأيام، وتغطيها الأعشاب. وتسببت تلك الأمطار الغزيرة في تضخم حجم البحيرة، وأعقبتها فترات جفاف ساهمت في انكماشها. وكان حجم البحيرة يزداد ويتناقص بمختلف الصور على مر آلاف السنين، كما يشير العلماء.
ويتكرر حدوث ذلك في هذه الأيام ولكن على نطاق ضيق. فإلى الشمال الشرقي من البحيرة الممتدة التي كانت موجودة في تلك المنطقة في سالف الزمن، بدأ نهر النيل يفيض بدءًا من عام 1998، ونشأت سلسلة من خمس بحيرات صحراوية صغيرة في المنطقة. ولكن مع الجفاف الذي ضرب المنطقة بدءًا من عام 2003، جفت تلك البحيرات تماماً.
واليوم، تعتمد مصر في مياهها بصورة حصرية على نهر النيل وفيضانه السنوي، ويفترض وجود البحيرات القديمة، كما يقول علماء الجيولوجيا، بأن تلك الفيضانات كانت تحدث، إلى حد ما، قبل نحو ربع مليون عام.
