ربما تعتبر لعبة الفيديو «نوارة لوس أنجلوس»، التي طرحتها شركة «روكستار» الأميركية، أخيرا، أكثر ألعاب الفيديو واقعية وثورية على الإطلاق، وقد استخدمت فيها أحدث ما توصل إليه العلم والتكنولوجيا لابتكار شخصيات وبيئات في غاية الدقة.

ولدى استعراض اللعبة تبدو المرأة التي يتحدث إليها البطل كاذبة، ومن خلال إيماءاتها الجسدية يمكن القول إن الأسئلة الموجهة إليها لم تثر غضبها، ونرى جسمها ينحني إلى الوراء قليلا، ثم تطوي ذراعيها وتعض على شفتها السفلى بعصبية ظاهرة.. غير أن أكثر الأشياء تعبيرا هو نظراتها الغريبة، والطريقة التي تحاول فيها منع التقاء عينيها بعيني البطل.

والمرأة الآنفة الذكر ليست حقيقية، بل من توليد الكمبيوتر، وهي تمثل نجمة سينمائية تلعب دور البطلة في لعبة الفيديو الجديدة «نوارة لوس أنجلوس». والتكنولوجيا المستخدمة تهتم بعرض ملامح وجهها بكل التفاصيل، وكل خط وكل تشنج لا إرادي لعضلات الوجه. ولا تعتبر هذه اللعبة عملا رائعا فحسب، وإنما لها أيضاً تأثير كبير على اللاعبين. وبلمح البصر تدفع اللاعب للتفكير بهذه المجموعة من نقاط الصورة المضيئة كشخص حي، ويتنفس.

ويشير مطورو هذه اللعبة إلى أن أحداثها تتحدث عن جريمة مثيرة وقعت في لوس أنجلوس في أربعينات القرن الماضي. كما أن سر نجاح اللعبة يكمن في جعل اللاعبين يتواصلون عاطفيا مع شخصياتها، ويتذكرون أسماءهم ووجوههم والحوادث التي يواجهونها.

وتظهر اللعبة المدى الذي وصلت إليه شركة «روكستار» في تطوير الألعاب. فقد ولى عهد الرسوم الكرتونية والكوميديا والعنف التهريجي، الذي كان يشكل نواة الألعاب السابقة، ويشعر المرء أن اللعبة الجديدة هي دراما راقية، فشخصياتها تبدو كأشخاص حقيقيين ونشعر بشعورهم، كما تبدو خلفية لوس أنجلوس العتيقة كمدينة يكتنفها الغموض. ويوفر موقع التصوير بيئة أكثر نضجا. ويشير منتج اللعبة إلى أنها أتاحت لمخترعيها التعامل مع حبكة الرواية بمواضيع أكثر نضجا.

وتبدو أية مواضيع تتحدث عن تلك الفترة مروعة، بدءاً من المقالات الإخبارية وانتهاء بصورة مسرح الجريمة.

وواجه تحدي تصوير اللعبة في عهد قديم بعض التحديات تم التغلب عليها بفضل تقنية تحليل الأعماق الحديثة. وتم استخدام الكاميرات، مكبرات الصوت، الأضواء، وبرنامج تحرير الصور بصورة حاذقة، وبنيت التفاصيل من نقطة الصفر، وأتاحت تقنية «موشن سكان»، المتعلقة بمسح حركة شخصيات اللعبة، للمطورين الاهتمام بجميع تفاصيل حركة الوجه وتعبيراته. وتمكنوا من إعادة ابتكار الشخصيات، ووفروا لها مستوى وافرا من الواقعية، والتفاصيل الدقيقة، والإنجاز الرائع، والحركة النشطة والإثارة بصورة غير مسبوقة.

وتمثلت إحدى المشكلات باستخدام الممثلين الهوليوديين، كآرون ستاتون الذي يقوم بدور الشخصية الرئيسية في اللعبة. ونتيجة لاستخدام تقنية العمق فقد تطلبت اللعبة شخصيات تحظى بمصداقية كبيرة، وهذه لا تتم إلا من خلال ممثلين يمتازون بمهاراتهم الكبيرة في التمثيل.

وبفضل تقنية المسح الحركي، يبدو التمثيل المرئي للممثلين في ألعاب الفيديو كتمثيلهم تماما في الأفلام الحية. غير أنه في هذه الحالة ينشغل اللاعب بالشخصيات بمستوى كان يستحيل حدوثه في مثل هذه الألعاب سابقا. وهذا يعد بمثابة عملية تطوير في تصميم الألعاب، وهو يعد بالضرورة أقرب اقتران بين الأفلام السينمائية وألعاب الفيديو، حتى الآن.

وتبدو لعبة «نوارة لوس أنجلوس» مقنعة ورائدة مما يفتح مجالا جديدا تماما في الوسائط، ويوسع الآفاق التجارية لشركة «روكستار»، في الفترة المقبلة.