عند وخز الجلد اللين الواقع بين الإبهام والسبابة بدبوس، لوحظ أن أحد المتطوعين لم يتأثر به، برغم توقع أن يسحب يده من شدة الألم. وقد تابع هذه التجربة بهدوء بحسب التعليمات الموجهة إليه. وبرغم الصدمة الأولى الناجمة عن الوخز، كان انزعاجه عند أدنى حد، ولم تزد نسبة الألم على ‬10٪ من الألم الكلي.

وكان مستلقيا على ظهره وقد ثبت رأسه بخوذة خاصة. وفيما كان جهاز الرنين المغناطيسي يسجل معدل تدفق الدم في الأجزاء المختلفة من الدماغ، كان فريق من باحثي جامعة أكسفورد يعرضه للألم.

وقد يفترض معظمنا أننا عندما نشعر بالألم فإن شدته تتحدد من خلال نطاق الإصابة التي يتعرض لها الجسم، وقوتها، أو نوع الحروق التي نصاب بها. غير أن عملية المعالجة في العقل الواعي والعقل الباطن يمكنها أيضا تقوية أو تخفيف إشارات الألم القادمة، مما يجعل أي جرح يصاب به الإنسان مؤلما أو أقل إيلاما. وقد أدى التقدم في عملية المسح الإشعاعي في العقد الماضي إلى توفر رؤية جديدة لهذه الوسائل، يحدد فيها الدماغ شكل الألم الذي نعانيه.

وقد تؤدي نتائج البحوث الجديدة إلى إيجاد أشكال مبتكرة لعلاج الألم. وتتعلق أفضل هذه التطبيقات بتطوير عقاقير أفضل لتخفيف الألم، تستهدف المناطق الدماغية، المسؤولة عن ذلك، بشكل مباشر.

غير أن الباحثين في جامعة أكسفورد البريطانية وبعض الباحثين الآخرين من مختلف مناطق العالم، يدرسون الآن وسائل أكثر غرابة للعلاج، تهدف إلى السيطرة على العمليات العصبية التي تتحكم بالشعور بالألم. وفي نهاية المطاف يمكن أيضا تدريب المرضى على إغلاق آلامهم بحسب رغبتهم.

ويعتبر الألم مصدر أذى لوجود الإنسان، ومع ذلك فإن دروسه الصعبة ضرورية لتعليمنا حماية أجسامنا الهشة، وتدفعنا الإحساسات المؤلمة والمزعجة لتوقي الخطر، والخلود للراحة، وحماية أعضائنا المصابة أثناء تعافيها.

ونلاحظ أن الذين يعانون من مشكلات وراثية نادرة، تدفعهم لعدم الشعور بالألم، فإن إصاباتهم المتكررة تؤدي إلى وفاتهم في مقتبل العمر نتيجة للإصابات التي تلحق بهم، دون أن يلاحظوها.

وهذا المنطق التطوري يسبب الراحة لأي شخص يشعر بالألم بصورة فعلية، خاصة الذين يعانون منه على المدى الطويل، أو بصورة مزمنة، كآلام الظهر والمفاصل، أو عطب الأعصاب. والغريب أن هذه المشكلات الصحية شائعة الوجود، بحسب العديد من الدراسات، وتتراوح نسبة الإصابة بها بين البالغين في الدول الغربية بين ‬10٪ و‬20٪، وتعتبر من الآلام المزمنة.

وتوفر بعض العلاجات الحالية، كالباراسيتامول، الكودايين، والمورفين، بعض سبل الراحة. وتعمل هذه المسكنات التقليدية على آليات متنوعة ترتكز على منع نقل إشارات الألم عبر الدماغ. غير أن أثرها الفعلي على بعض الآلام مشكوك فيه. ويتندر الباحثون بالقول إنه ليس هناك أفضل من وصفة الأقراص الزائفة بالنسبة لآلام الظهر.

وغالبا ما توجد آثار جانبية لمسكنات الألم، ونتيجة لذلك فإن علماء الأعصاب دائبو البحث عن وسائل جديدة لمكافحة الألم. وتظهر عملية المسح الإشعاعي للدماغ أنها أداة هامة وفعالة في هذا الإطار، حيث تلقي الضوء على العمليات العصبية والنفسية التي تؤثر على مدى الألم الذي نشعر به.

وحتما فإن الفكرة المتعلقة التي تتحكم بها عقولنا بمشاعرنا تلائم الأدلة المسرودة. وقد سمعنا بقصة الجنود الذين لا يشعرون بإصاباتهم في أوج المعركة، ولا يلاحظونها إلا بعد وصولهم إلى بر الأمان، وكذلك تخفيف ألم الأسنان من خلال قراءة أحد الكتب المثيرة. وعلى الرغم من أن هذه الأدلة لا تشكل معيارا، فإنها تشير إلى إمكانية الهيمنة على عمليات دماغية معينة لتخفيف الألم.

ويحاول الباحثون في هذا الشأن تطوير إجراء مدرك بالحواس بالارتكاز على نشاط الدماغ في جهاز الرنين المغناطيسي، أثناء تخيل أشياء جميلة. وإذا أتاح هذا الجهاز الكشف عن إحداثيات بعض مناطق الدماغ التي يمكنها منع مرور إشارات الألم، فهذا يثير إمكانية التحكم بالألم عن طريق الكهرباء أيضا، من خلال بعض التقنيات كتقنية التحفيز المغناطيسي العميق للدماغ، حيث يزرع قطب كهربائي في أعماق الدماغ، أو يوضع مجال مغناطيسي قرب الرأس. وقد حققت هذه الوسائل بعض النجاح.