أظهرت وثائق «ويكيليكس» التي هزت أركان حكومات عديدة عبر العالم، دورًا مميزًا ونشطًا للدبلوماسية الأميركية في مختلف البلدان التي تعمل بها، خاصة المكاتب الدبلوماسية الملحقة بسفارات الولايات المتحدة، حيث حرصت تلك المكاتب على جمع المعلومات عن مختلف دول العالم، وعملت على توطيد علاقاتها مع كل الجهات هناك؛ لتجميل صورة أميركا، بما يمكن دبلوماسيي واشنطن من اختراق تلك الدول سياسياً واقتصاديًا وفنياً واجتماعيًا وثقافياً.

في المقابل كشفت نفس الوثائق عن تقصير جسيم لدى السفارات العربية والمكاتب الملحقة بها، حيث فشلت في تجميل صورة الدول العربية، ولم تستطع أن تؤدي رسالتها الإعلامية بنقل ما يحدث هناك على الوطن الأم.

وبالرغم من الغيوم الكثيفة في سماوات عدد من العواصم العربية خاصة بعد أحداث تونس، لم يكن هناك دور بارز لتلك السفارات ومكاتبها، خاصة المكاتب الإعلامية، التي تركت الأمر برمته للفضائيات والوكالات الأجنبية، مكتفية بإقامة حفلات الاستقبال والعلاقات العامة والمناسبات الوطنية، وتحول العاملون بها إلى موظفين علاقات عامة يكلفون دولهم مبالغ طائلة ولا تحصد من ورائهم أي نتائج مرضية؛ مما يؤكد حاجة دولنا العربية إلى إعلام قوي وفعال وقادر على نقل الأحداث من وإلى الوطن الأم.

 

تكلفة ضخمة

ويرى د.محمد سمير، أستاذ الإعلام بكلية الآداب جامعة بنها، أنه لا يوجد أي مبرر لوجود مكاتب إعلامية للدول العربية في الخارج، خاصة أنها تكلف الدولة مبالغ كبيرة تفوق في بعض الأحيان ميزانية السفارة وأحيانا يتعارض عملها مع العمل في السفارة، بالرغم من استطاعة طاقم السفارة القيام بعمل المكتب الإعلامي، كما أن ثورة الاتصال قضت على دورها، حيث يستطيع أي شخص الحصول على أي معلومة في دقائق من خلال شبكة الإنترنت.

ولم ينكر سمير الدور الكبير الذي كانت تلعبه المكاتب الإعلامية خلال الفترات الماضية، حيث أثمر جهدها سابقاً في نقل الحقائق إلى الرأي العام الدولي، لكن انتهى دورها بالتقدم الكبير في الثورة الإعلامية، بل وتلاشى تماماً الدور المنوط والمفترض أن تلعبه للتواصل مع الإعلام في الدول الموجودة بها وإبراز الحقائق حول كل ما ينشر على سبيل الخطأ تجاه الدول التابعة لها.

 

حلقة وصل مهمة

لكن د. سامي عبدالعزيز، عميد إعلام القاهرة، يرى أن وجود مكاتب إعلامية للدول العربية بالخارج لاسيما في العواصم العالمية أصبح من الأمور المهمة، لما يمكن أن يحققه من نتائج إيجابية للدولة، فإذا لم ينجح المكتب في تحقيق الدور المطلوب منه، فلا يعني ذلك عدم جدواه؛ لأن التقصير هنا من المسئولين عن تلك المكاتب والذين لا يطرحون أي مبادرات للإعلاميين والسياسيين والاقتصاديين؛ لذلك لا ينبغي إلغاؤها مطلقا لكونها حلقة الوصل، لكن لابد من إعادة تقييم أدائها من جديد، خاصة أن الإعلام العربي والمصري يذخر بالمواهب التي ستنجح في أداء مهمتها بكفاءة، إذا حصلوا على الفرصة المناسبة.

وأشار عبدالعزيز إلى أن تكنولوجيا الاتصال والأسابيع الثقافية لا يمكن أن تحل محل عمل المراكز الإعلامية في الترويج لسياسة الدول العربية في الخارج.

 

نافذة على العالم

وشاركه في الرأي السفير إسماعيل خيرت، رئيس الهيئة العامة المصرية للاستعلامات، قائلاً: إن قطاع الإعلام الخارجي هو نافذة العالم على مصر كما تطل منه مصر على العالم، وهو قطاع يؤدي رسالته من خلال مكاتبه الإعلامية التي يصل عددها إلى ‬32 مكتباً، منها ‬9 مكاتب في أوروبا، و‬4 في أميركا الشمالية، و‬4 مكاتب في آسيا، و‬3 في إفريقيا، و‬11 في العالم العربي، ومكتب واحد في إسرائيل.. وجــــــــميع هذه المكاتب تعد همزات وصل بين مصـر ودوائر الإعلام في تلك الدول؛ مما يسهم في طرح جوانب الصورة المصرية بكل أبعادها على الرأي العام بالعالم الخارجي، وقد قامــــــــت الهيئة أخيراً بتطــــــوير هذه المكاتب وتحديثها والربط بينها جميعاً وبين المركز الرئيسي للهيئة عبر الفيديو كونفرانس.

وقال إن هذه المكاتب تقوم أيضا برعاية المعارض التي تقيمها مصر في الخارج، موضحاً أن الإعلام الأوروبي يتابع أخبار مصر باستمرار من خلال تلك المكاتب؛ لذلك تحرص الهيئة خلال الفترة القادمة على إقامة مكاتب إعلامية في كل دول العالم بحيث تتابع جميع الأحداث المهمة التي تقع في تلك الدول لحظة وقوعها من دون الاعتماد على الوكالات الأجنبية.

 

أهداف غائبة

لكن د.خالد جاويش، أستاذ الإعلام بكلية الآداب جامعة المنيا، توقف عند أسلوب اختيار العاملين في هذه المكاتب، مشيرا إلى أن المحسوبية والمجاملات تلعب دورا في اختيارهم، وبالتالي تنقصهم الكفاءة لأداء الأدوار المنوطة بهم، وقال إنه أجرى دراسة على المكاتب التابعة للهيئة العامة للاستعلامات في الخارج، وتوصل إلى أنه لا توجد أهداف محددة لعمل تلك المكاتب، وفي مقدمتها إعداد التقارير الصحفية، كما أنها لا تقوم بالاتصال مع المكاتب الأخرى الموجودة في الدول المجاورة؛ مما يعني قيام كل مكتب بالعمل وفق أسلوب خاص به.

وأوضح أن جميع العاملين في المكاتب الخارجية غير مؤهلين إعلامياً ولم يحصلوا على مؤهل إعلامي يمكنهم من أداء الدور المنوط بهم، في حين يفرض علينا الواقع أن يتم اختيار أفضل الكفاءات للعمل بهذه المكاتب؛ لأن الإعلام سلاح الدول النامية.

وأشار إلى أن أكثر من ‬59٪ من العاملين بتلك المكاتب ليست لديهم أدنى خبرة سابقة بالعمل الإعلامي، وإنما يتم اختيارهم دون قواعد أو معايير محددة، وبالرغم من تبعيتهم للهيئة العامة للاستعلامات، إلا أن هذه المكاتب تعمل تحت مظلة وزارة الخارجية.

 

إعادة هيكلة

وعلَّق د.عمرو الشوبكي، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، على عدم وجود مكاتب إعلامية في الدول الإفريقية، قائلا: إن هذا الوضع يعكس مدى الخلل الذي تعاني منه مصر حاليا في إفريقيا بعد أن خرجت إفريقيا من بوتقة اهتمام مصر منذ فترة طويلة، فتوارت مكانتها ولم يعد لها أدنى تأثير كما كان في الماضي، ومازالت مصر تحصد أصداء عدم وجود تلك المكاتب.

وبرهن د. الشوبكي على رؤيته، لافتا إلى أنه عند بناء السد العالي في نهاية خمسينيات القرن الماضي حدثت معارضة قوية من كل الدول الأفريقية، لكن وجود مصر القوي في أفريقيا أنهى تلك المعارضة وقضى على شكوكهم، حيث كان للإعلام دور قوي، تمثل في إذاعة صوت العرب قبل انتشار تلك المكاتب، لكن يبدو أنها لم تعرف دورها وأهميتها وسيظهر ذلك جلياً خلال الفترة المقبلة في إفريقيا بالذات، خاصة بعد تقسيم السودان والتلاعب في حصص مصر من مياه النيل.