تواجه الشركات الراغبة بالدخول إلى أسواق الشرق الأوسط، وتحديدا الأسواق الإعلامية، مأزقا مستديما يتمثل بعدم وجود أرقام مدققة عن هذا القطاع، أو مصادر موحدة. ويخلق هذا إشكالا تقنيا يتعلق بعدم وضوح الرؤية أمام العديد من الشركات لإجراء عملية «دراسة جدوى» دقيقة لحسابات الاستثمار، ومن ثم الربح والخسارة في هذا القطاع الحيوي، الذي تدعمه آفاق نمو كبيرة، في ظل حقائق ديموغرافية تتمثل بسيطرة فئة الشباب من دون عمر الثلاثين على نصف سكان العالم العربي.
أرقام غير موثقة
وتسهم الأرقام التي تعنون في العادة تقارير الإنفاق الإعلاني في أسواق المنطقة في مزيد من التشويش بالنسبة للرجال الأعمال الراغبين باستثمار أموالهم. وتكاد جهات خبيرة ومطلعة تجمع أن الرقم المعلن المتمثل بـ15,3 مليار دولار (ما يقارب 56,19 مليار درهم) لإجمالي حجم الإنفاق الإعلاني خلال العام الماضي هو رقم يفوق الواقع بأكثر من أربعة إضعاف، في ظل تأثير كبير لمؤسسات إعلامية محلية ودخول لاعبين عالميين جدد بشكل بارز إلى السوق في السنوات القليلة الماضية.
هذه المؤسسات الإعلامية، من المفترض أن يكون لها تصوّر واضح عن السوق الإعلامي، عبر دراسات جادة أجرتها قبل دخولها هذا السوق، تظهر أرقاماً مختلفة عن تلك التي تتناقلها عناوين التقارير الصادرة عن جهات مختلفة.
وفي الوقت الذي تشير تقارير «نادي دبي للصحافة»، في تقرير «نظرة على الإعلام العربي 2009-2013»، إلى أن حجم الإنفاق بلغ 5,1 مليارات دولار العام الاخير، استنادا إلى تقديرات نمو بلغت 50 بالمئة في العام الذي سبقه. لكن لا يبدو أن هذه الأرقام تجد رضى لدى أقطاب الصناعة الإعلانية العارفين بشؤونها أكثر من غيرهم. في تصريحات صحافية حديثة أشار أيدي مطران، الرئيس التنفيذي لشركة «ميماك أوغيلفي» الإعلانية، والذي يعتبر أحد «عرابي» الصناعة بالمنطقة، إلى «شكوك أن يأخذ أي كان الأرقام المعلنة عن حجم الإنفاق على محمل الجد»، ويضيف: «لن تقوم أية مؤسسة لديها حسن تقدير بأن تبني على تلك الأرقام المعلنة استراتيجيات لأعمال واستثمارات».
جبل الجليد وقعره
وإذا كان وجه جبل الجليد، البادي عن صناعة الإعلانات، مموه ومثير للتشوش، فإنه يتوجب الغوص قليلا تحت السطح، ولن يكون من الصعب استطلاع مؤشرات أكثر منطقية. ولكن هذا الغوص سيبرز مشكلة أخرى وهي نقص الشفافية في الإعلان عن الحقائق والأوضاع الصحيحة في كل مؤسسة من مؤسسات الإعلام والإعلان. ولا يبدو أحد من المسؤولين عن هذه المؤسسات راغبا في تقديم أرقام شفافة، خوفا من تأثير ذلك في مصالحه بالسوق، طالما أن «جميع الأطراف الأخرى غير ملتزمة بالشفافية، لماذا أكون أنا البادئ؟»، يقول لسان حال أهل الصناعة: في ظل غياب أي وسيلة رصد حيادية، موحدة، عالمية أو عربية. فعدد قليل من المطبوعات في العالم العربي تخضع إلى تدقيق في عدد الطبعات المنشورة والموزعة والمباعة، كما انه ليس هناك بيانات دقيقة عن المشاهدة التلفزيونية، ولا عن نسب القراءة على مواقع الانترنت، أو الإنفاق الإعلاني الالكتروني.
ولا تكشف الكثير من المؤسسات الإعلامية العربية عن بياناتها المالية، فيما عدا عدد قليل من تلك المدرجة في الأسواق المالية، كما أن حجم الحسومات التي تقدم على الأسعار المطبوعة الرسمية للإعلانات لا يتم عادة الإعلان عنه من قبل وسائل الإعلام. كل تلك العوامل تجعل من الصعب بمكان تشخيص واقع الصناعة الإعلانية، ومشاكلها وتحدياتها وآفاق التطوّر والاستثمار فيها.
بشائر أمل
في ظل هذه الأجواء، هناك إشارات جيدة تلوح في الأفق، إذ إن عدداً من الناشرين بدأ يعي أهمية عملية التحقق من التوزيع، والتي تعطي المعلنين صورة حيادية ومستقلة عن معدلات القراءة، كما أن الخطط المزمع فرضها بالنسبة إلى قياس نسب المشاهدة التلفزيونية في الإمارات، سوف تؤسس لعصر جديد للإعلان على التلفزيون، الذي لا يزال يعتبر الوسيط المهيمن على الحصة الأكبر للإنفاق الإعلاني.
وفي مايو الماضي، جرى التوقيع على مذكرة تفاهم لإطلاق مشروع قياس المشاهدين في الإمارات، والذي كان مجلس الوزراء قد وافق عليه وكلف المجلس الوطني للإعلام بتنفيذه. ووقع المذكرة آنذاك كل من شركة أبوظبي للإعلام ومؤسسة الشارقة للإعلام ومؤسسة الإمارات للاتصالات والمجلس الوطني للإعلام. وأبدت شركة الاتصالات المتكاملة «دو» دعمها الكامل للمشروع والذي يتم بالتعاون بين هيئة تنظيم الاتصالات والمجلس الوطني للإعلام، واستعدادها للمساهمة فيه وفق الخطة المقترحة. وبموجب مذكرة التفاهم ستتولى «شركة» تنفيذ المشروع.. كما تضمنت المذكرة التفاصيل المتعلقة بتأسيس الشركة ومسؤولياتها ورأس مالها وإدارتها والتكاليف والنفقات الخاصة بها والتي سيتم تغطيتها من خلال ما يدفعه المساهمون والرعاة ورسوم الاشتراك.
تطبيقات
طرق «ويلسون» لقياس المشاهدة
في ظل انتظار بدء تطبيق مشروع قياس المشاهدين في الإمارات، هناك اجراءات خاصة تقوم بها شركات دراسات السوق، مثل «ويلسون»، لإجراء هذا القياس، يستفيد منها عدد كبير من المعلنين الراغبين بمعرفة تلك النتائج. ويتم معرفة عدد المشاهدين عن طريق نظام قياس الجمهور والذي تم تطويره من قبل «نيلسون ميديا ريسيرش»، بطريقتين: استطلاع شامل، حيث يطلب من مجموعة مختلفة من المشاهدين بكتابة سجل (يوميات) بكل البرامج التي يشاهدونها طول اليوم (نهاراً وليلاً).
وأيضاً عن طريق أجهزة Set Meters: وهي عبارة عن أجهزة صغيرة يتم توصيلها بكل تلفزيون في منازل مختارة، حيث تقوم بجمع عادات المشاهدين في المنزل وترسل المعلومات ليلا إلى نيلسون من خلال «وحدة المنزل» تكون موصولة بخط الهاتف. المعلومات المقدمة من Set Meter تتيح للباحثين في السوق دراسة عادات المشاهدين على أساس دقيقة بدقيقة ويحددون اللحظة بالضبط التي يغير فيها المشاهدون القناة أو يطفئون فيها تلفزيونهم. وقد بدأت نيلسون باستخدام تسجيلات الفيديو الرقمية مثل TiVo، لهذه الغاية في العام 2005.
أرقام
الإعلام الإلكتروني يتقدّم
28,7٪ أي ما يقارب ملياري نسمة، هم عدد المستخدمين من سكان العالم للإنترنت في العام 2010 مع نسبة نمو بلغت444,8 ٪ للفترة بين عام 2000 وحتى الربع الأخير من عام 2010، ونسبة نمو بلغت 18٪ بين العام 2009 والعام 2008. وتفوق نسبة المستخدمين في الشرق الأوسط النسبة العالمية؛ إذ تبلغ نسبة المستخدمين إلى السكان 29,8٪. وقد بلغ عدد الايميلات المرسلة في عام 2009 نحو 90 ترليون رسالة، بمعدل 247 مليار رسالة يومياً. تبلغ نسبة «السبام» فيها نحو 81٪. وبينما بلغ عدد المواقع المسجلة 234 مليون موقع حتى نهاية عام 2009، منها 47 مليون موقع سجلت في ذلك العام وحده.
فإن عدد المدونات المسجلة حتى نهاية ذلك العام نحو 126 مليون مدونة، وبلغ عدد التدوينات المصغرة «tweets» على موقع تويتر أكثر من 27 مليون يومياً. وفي هذا العام تجاوز عدد أعضاء موقع الـ فيسبوك 500 مليون مستخدم، نصفهم يدخلون يومياً إلى صفحاتهم. وحملوا خلال العام 2009 نحو 30 مليار صورة. بينما بلغ عدد مقاطع الفيديو يومياً مليار فيديو على موقع يوتيوب (تتضمن مشاهدة ورفع ومشاركة).
