دخل توم بيانتانيدا بعداً آخر من أبعاد المشاهدة، غير الأبعاد المألوفة لديه، ولم يكن هذا البعد مبهجا للنفس. كان ذلك في عام 1993، حين طلب منه معهد البحوث الذي يعمل فيه اختبار نظارة خاصة بألعاب الفيديو، تمهيدا لتسويقها. وهذه النظارة طورتها شركة «سيغا» اليابانية، وتحتوي على شاشات رقيقة جدا تعرض صورا مجسمة أمام العينين. وبضبط رؤوس تلك الشاشات يستطيع اللاعبون إنعام النظر بعالم افتراضي له أعماق وافرة. وبدا أن هذه التكنولوجيا المجسمة هي الحدث الكبير التالي، قبل أن يقول مستخدموها أنها تشعرهم بالتقزز، وتدفعهم للتقيؤ. وقد وضعت تلك النظارات ضمن ما أسماه العلماء ب«المنطقة البارفوجينية». وبرروا تأثيرها بأنه ناجم عن عدم تغير الصور المجسمة الكثيفة بالسرعة الكافية، لتتزامن حركة رؤوس اللاعبين أثناء النظر لما يجري حولهم. وهذا يولد تضاربا حسيا بين ما تراه العين وبين الحركة الفعلية التي تستشعرها الأذن الداخلية. وسرعان ما تم التخلي عن هذه النظارات وإيداعها على الرف.
ويفكر الباحثون الآن التوجه نحو المنطقة «البيرفوجينية» مجددا، ولكن من خلال شاشات سينمائية وتلفزيونية مجسمة، بدل النظارات المجسمة. وربما لا يثير التأخر البصري، الناجم عن النظارات، أية مشكلة في هذه الحالة، غير أن الشعور بالغثيان، الناجم عن التضاربات الحسيّة، لا يزال موجودا في الشاشات المجسمة، لذلك فإن التعرض لفترة طويلة لشاشات مجسمة مصنوعة بصورة سيئة، أو مكثفة بصورة مفرطة، قد يدفع المرء لحمل كيس للتقيؤ معه!
والفنون المجسمة هي في حالة إعادة انتعاش الآن، وتشهد الأفلام التي تعرض بالأبعاد الثلاثة ازدهارا كبيرا، ولا تعاني من أي تراجع، وتتدافع الآن كل الشركات الإلكترونية الرئيسية الصانعة الآن لتصنيع الأجهزة التلفزيونية المجسمة الحديثة.
وقد تحسنت التكنولوجيا الكامنة وراء هذه الشاشات بشكل كبير في السنوات الأخيرة، غير أن المفهوم الأساسي لها لم يتغير، وهو عبارة عن نظارة تغذي عيني المشاهد بالصور نفسها، ولكن من نقطة نظر مختلفة بصورة طفيفة. وهذا يخدع المشاهد ويحمله على الاعتقاد بأنها عميقة ومجسمة.
وتكمن المشكلة في هذه العملية الخداعية في أنها قد تسبب للمشاهد شعورا سيئا يدعى «الغثيان الإلكتروني». ويبدأ ذلك بشعور العينين بالإرهاق، يتبعه صداع في الرأس، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى الغثيان نتيجة للتضارب الحسّي بين حركة بؤبؤ العين والعدسة. فعندما يـُوجه البؤبؤ نحو إحدى الصفحات مثلا، تتحرك العين إلى الداخل قليلا، مع زيادة تقريب الصفحة من الوجه، وقد تتركز الحملقة عندئذ على إحدى الكلمات، وفي غضون ذلك يتغير شكل العدسة لكي تركز على الضوء الساقط من سطح الورقة المتحركة باتجاه الشبكية. ويعتاد الدماغ على هاتين الحركتين المتواترتين.
ومع ذلك فإنه عندما يندفع أحد المناظر المجسمة من الشاشة نحو المشاهد، يقع حدث غير طبيعي، إذ تتغير زاوية البؤبؤ مع بقاء شكل عدسة العين ثابتا. وللحيلولة دون رؤية المناظر بصورة ضبابية، تضطر العدسة لمواصلة التركيز على الضوء القادم من سطح الشاشة المتحرك ببعدين.
ويزداد الشعور بالغثيان الإلكتروني مع تقريب الشاشة. وهذا يعني أن الشعور بالغثيان الناجم عن السينما المجسمة أقل منه لدى استخدام نظارات الأبعاد الثلاثة. أما التلفزيون المجسم فهو أمر مختلف لأن المشاهدين يعتادون الجلوس قريبا منه، بصورة منتظمة.
وفي دراسة أجرتها هيئة الإذاعة اليابانية، واجه المشاهدون الذين شاهدوا التلفزيون المجسم من مسافة 1,2 مترا، لمدة ساعة كاملة، شعورا بالإرهاق البصري والانزعاج، ويعرف عن هذه الأعراض أنها تؤدي إلى الشعور بالغثيان. ويشاهد الناس التلفزيون لفترة أطول من الفيلم السينمائي، مما يعرض النظام البصري لإجهاد أكبر، مما يرجح معاودة الغثيان. ومن الواضح أن بعض الشركات الصانعة للأجهزة التلفزيونية توقعت حدوث هذا الأمر، ففي مطلع العام الجاري، نشرت عملاقة الالكترونيات «سامسونغ» وثيقة على الإنترنت مع قائمة بالتحذيرات بالنسبة لمشاهدي التلفزيون المجسم، بشأن احتمال تعرضهم لغثيان الحركة، الإرهاق البصري، وعدم التركيز. كما حذرت الحوامل وكبار السن والمرضى والذين يشعرون بالأرق والدوخان نتيجة لتعاطي الكحول من مشاهدة التلفزيون المجسم. وتجاهلت طلبات بتقديم تفسيرات أكبر لذلك الأمر. إذن من الذي يتأثر أكثر من غيره لدى مشاهدة التلفزيون المجسم؟ من المؤكد أنهم الأشخاص الذين يسعون لرؤية الخداع المجسم. ويعتقد الباحثون أن ما بين 5 و 10٪ من الناس لا يستطيعون الجمع بين الصورتين اللتين تكونان المشهد المجسم، وليس الأشخاص غير المبالين بالمنطقة «البريفوجينية».
كلام صورة
