لماذا نتصرف بهذا الشكل أو ذاك؟ وما الذي يجعلنا نفكر في مسألة بعينها؟ أسئلة طالما حيّرت العلماء والاختصاصيين ،الذين يعكفون على البحث عن أجوبة لها من خلال استخدام أجهزة قادرة على تقصي أدمغتنا باتباع وسائل لم تكن سوى مجرد أحلام قبل عقود قليلة من الزمن. ولكن من خلال دراسة سلوكيات البشر الذين يمرون بتغيرات في جزء صغير من الدماغ، سواء بسبب الإصابة أو أزمة قلبية أو اعتلال في الجينات الوراثية، فإنه يمكن التوصل إلى الوظائف التي يتحكم من خلالها هذا الجزء في السلوكيات، وفي ضوء ذلك البدء بوضع تفسير حول كيفية عمل ذلك الجزء من الدماغ، وتفاعله مع باقي الأجزاء الأخرى. وذلك يعني أن الأعراض العصبية الغريبة يمكنها أن توجه فهمنا للدماغ باتجاه جديد.

وتقول صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، في تقرير حديث لها، إن النموذج الكلاسيكي في هذا الصدد، هو التجربة التي أجرتها عالمة الأعصاب البريطانية «بريندا ميلنر»، على حالة مريض تعرضت منطقة «قرن آمون» في دماغه للتلف، مما أدى إلى عجز دماغ المريض عن تكوين ذاكرة جديدة. وبدلاً من الإجابة عن أسئلة غامضة مثل: «كيف يتم تخزين الذكريات في الدماغ ككل؟»، فقد انحصر البحث في منطقة «قرن آمون». ومن خلال نتائج الدراسة التي قامت بها «ميلنر»، استطاع علماء آخرون استكشاف الآليات الخلوية والجزيئية لعملية تكوين الذاكرة.

وغالباً ما يبرز هنا مبدأ مهم وهو أهمية التطور، لاسيما فكرة أن آلية الدماغ فيما يتعلق بالقيام بإحدى الوظائف يمكن أن تطغى عليها وظيفة أخرى. وكما أشار عالم الأحياء المشهور «زيودوسيوس دوبزهانسكي»: «لا يوجد شئ في عالم الأحياء ينطوي على أهمية، إلا الذي يتم من خلال التطور». فلنأخذ مثالاً على هذا المبدأ، وهو ذلك المهندس السبعيني الذي أراد بتر ذراعه، وهي حالة مرضية معروفة تلح على المريض الرغبة في بتر أحد أطرافه السليمة. التفسير الصحيح لهذه الحالة وراثي، حيث يشير إلى أن الجانب الأيمن من الدماغ يحتوي على تمثيل كامل لجسم الإنسان. ومن خلال إجراء أشعة لهذه الحالة، تبين أن اليد كانت مفقودة على الخريطة الوراثية لهذا المريض، لذلك فإن نبضاته الحسية الواردة من الذراع لم تجد مكاناً تلج إليه، الأمر الذي أشعره أن الذراع تشكل عبئاً عليه.

وتقول «ديلي تلغراف» أنه في إطار هذا التفسير ،أمكن التعامل مع مجموعة أخرى من الأمراض، أبرزها على سبيل المثال ما يطلق عليه «الأطراف الشبحية». يشعر المصاب بهذا المرض بالألم من أن أطرافه التي أزيلت لا تزال موجودة، أو أنها مشلولة. يتم علاج هذه الحالة من خلال خدعة بصرية ووضع مرآة أمام الطرف المبتور بشكل معين لإيهام المريض أنه قد تم إنقاذ العضو المبتور، ومن ثم الانصياع لأوامر الدماغ وزوال الألم الناتج بسبب هذا الشعور.