لم يدع الكمبيوتر جانباً من جوانب حياة الإنسان إلا وطرقها. فقد تمكن الإنسان خلاله من غزو الفضاء، وسبر أغوار البحار والمحيطات، واستكشاف أعماق الأرض. وباتت برامج الكمبيوتر في كافة المجالات وعلى اتساع نطاقها، جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه تقريباً في مختلف مناحي الحياة اليومية.

ولعشاق الموسيقى، خاصة الكلاسيكية، نصيب من هذا الغزو الكمبيوتري. فقد تمكّن «ديفيد كوب» أستاذ الموسيقى الفخري في جامعة كاليفورنيا الأميركية، أخيراً، من تطوير برنامج كمبيوتر يستطيع تأليف ألحان كلاسيكية من خلال اتباع بعض القواعد الموسيقية التي وضعها المطور.

وتقول صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الأميركية، في تقرير حديث ، إن البرنامج الجديد الذي أطلق عليه «إيميلي هاول» أنتج نحو إحدى عشرة مجموعة موسيقية كلاسيكية منذ مطلع العام الجاري، وهي تماثل تلك التي ألفها أشهر الموسيقيين الكلاسيكيين في التاريخ، أمثال بيتهوفن وموزارت وباخ. ونظراً لأنه «إيميلي هاول» ليس موسيقارا بشرياً، فقد أثار هذا البرنامج الجدل بين أوساط الموسيقيين، الذين يشككون في مصداقيته. يقول «كوب»: «هل يمكن أن يكون الكمبيوتر مبدعاً. بمعنى أنه يمكنه تأليف شيء لم يكن موجوداً قبل ذلك؟، نعم. ولكن يمكن أن يكون ذلك موجوداً لدى الطيور والحشرات والبراكين. إننا اختزلنا هذا الفهم الإبداعي للإنسان فقط منذ زمن طويل، إننا شغوفون بذلك».

وبحسب رؤية «كوب»، فإن الإبداع لم يكن أبداً حكراً على الصفات البشرية. ويعود هذا المفهوم إلى ثلاثة عقود ماضية، وذلك منذ أن بدأ «كوب» في تعليم الكمبيوتر الموسيقى. ووصل بعدها إلى مرحلة حاسمة عندما حاول كتابة موسيقى من تأليفه، إلى أن استطاع تطوير البرنامج الجديد.

ويستطيع برنامج تجارب الذكاء الموسيقي، المعروف اختصاراً باسم «إيمي»، تحليل أعمال الموسيقيين من البشر، وانتهاج الطريقة نفسها في التأليف، ثم إنتاج عمل موسيقي جديد يشابه العمل الأصلي. ومنذ تطويره في عام ‬2003، فقد أنتج البرنامج مليارات المقطوعات الموسيقية. ويقوم البرنامج بتركيب المقطوعات الخاصة به وفقاً لمجموعة قواعد حددها له المطور.

يقول «كوب» إنه قرر منح البرنامج اسم إنسان، لدرجة أن البعض اعتقد بأنه شخص حقيقي، وذلك لأنه كان يريد ألا يفكر الناس في البرنامج باعتباره شيئاً مستحدثاً. كما أنه لم يكن يريد أن تجعل طبيعة البرنامج الآلية الناس يحجمون عن الاستمتاع بالموسيقى الكلاسيكية.

يقول «كوب» إن بعض الذين أشادوا بالموسيقى التي أنتجها البرنامج قبل معرفة طبيعته قللوا من شأن ردود أفعالهم عندما أدركوا أن الموسيقى من تأليف برنامج كمبيوتر. ويرى أن بعض المؤلفين الموسيقيين يبدو أن أنهم مهددون بسبب هذا البرنامج الذي يمكنه إنتاج موسيقى أصلية. إلا أنه يشير إلى أن «إيميلي» في نهاية المطاف ما هو إلا اختراع بشري. ويضيف: «لو أن الناس استطاعوا ابتكار كمبيوتر مبدع، فهل من شأن ذلك أن يجعلنا أكثر أو أقل إبداعاً. أعتقد بأننا سوف نكون أكثر إبداعاً».