يعتبر عالم الرياضيات بيير سيمون لابلاس، الذي عاش في القرن الثامن عشر، أحد أوائل العلماء الذين ناقشوا التأثير واسع المدى للأجرام السماوية، التي تولد جاذبية قوية تجتذب ما حولها من الأجرام الأخرى. واستكشف لابلاس فكرة «سرعة الهروب»، وهي السرعة اللازمة للأجرام السماوية للتغلب على قوة الجاذبية والابتعاد عن النجوم أو الكواكب. وقال إن قوة الجاذبية قد تكون هائلة جدا عندما تنتج عن جسم فضائي كثيف بشكل خاص، بحيث انه حتى الضوء يواجه صعوبة في الهروب منها. وتعتبر هذه النجوم، بالضرورة، نماذج أولية للثقوب السوداء.وفي مطلع القرن العشرين، ومع نشر نظرية أينشتاين في النسبية، أدرك العلماء استحالة انطلاق أحد الأجرام السماوية بسرعة تزيد على الضوء. وهذه المسألة لها انعكاسات على الكثافة القصوى التي يمكن أن تمتلكها الثقوب السوداء.
وأحد المساهمين الرئيسيين الآخرين في نظرية الثقوب السوداء كان عالم الفيزياء الأميركي روبرت أوبنهايمر، الذي اشتهر بدوره كمدير علمي لمشروع مانهاتن، الذي يعتبر الباعث الرئيسي لتطوير أول قنبلة ذرية، وعمل في مجال العلوم الكونية قبل أن يخوض غمار العلوم الذرية. وأدرك أن النجوم عندما تصبح ثقيلة جدا وتصل إلى نهاية عمرها، فإنها تنهار مكونة ثقبا أسود. ولكن هل الثقوب السوداء سوداء فعلا؟ بالطبع لا بحسب عالم الفلك الفيزيائي ستيفن هوكنغ. ففي سبعينات القرن الماضي، أدرك هوكنغ أن الثقوب السوداء يمكنها أن تشع تحت ظروف معينة. وتبدو مجادلته في هذا الشأن في غاية التعقيد، ولكنه أوضح، بشكل خاص، أنه كلما صغر حجم الثقب الأسود، ازدادت سخونته، كما أن الثقوب السوداء الساخنة تتمتع بحياة قصيرة، وتطلق إشعاعها قبل أن تختفي. وتنص نظرية ميكانيكا الكم على أن جزيئات المادة والمادة المضادة تظهر وتختفي باستمرار في مختلف أرجاء الكون. ونظرا لوجود كلا النوعين من الجزيئات، فعادة ما يكون لها تأثير مبطل، إلا أنه لا يكون مؤثرا في العادة. ولكن قد يفلت أحد تلك الجزيئات الفعالة، التي تعمل بصورة معاكسة، فتبدو على شكل شعاع منطلق يدعى «شعاع هوكنغ»، بينما يتم احتجاز الجزيء الآخر بفعل قوى الجاذبية الغامرة.
وتعرف المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية في الثقب الأسود باسم «الأفق الحدثي»، وهي مثيرة للاهتمام بشكل خاص، لأنه يحدث فيها تداخل تأثيرات ميكانيكا الكم والنسبية العامة.
وحتى الآن لا تزال افتراضات هوكنغ محض نظرية، لأن السرعات الهائلة والكثافات المختلفة تحتاج إلى ثقب أسود، ولكن هذا الثقب يصعب توليده في المختبر.
ونجح العالمان دانييل فاكيو من جامعة هيريوت وات البريطانية، وفرانسيسكو بيلغيومو من جامعة ميلانو الإيطالية، في الآونة الأخيرة، في إيجاد وسيلة لتكوين الظروف الملائمة لتوليد الثقوب السوداء.
وركز العالمان على النبضات المتناهية الصغر لأشعة الليزر تحت الحمراء في داخل قطعة من الزجاج، وذلك بطول موجي يبلغ 1055 نانوميترا. ونظرا للكثافة الهائلة لهذه النبضات، التي تزيد على طاقة أشعة الشمس بتريليونات المرات، فقد تغيرت خصائص الزجاج قليلا. وعززت هذه العملية، بشكل خاص، معامل الانكسار للزجاج، أو الكمية التي يبطئ فيها الزجاج الضوء المار به.
وتعتبر هذه التجربة من أكثر التجارب فعالية، حتى الآن، التي تظهر أن الثقوب السوداء تطلق بالفعل شعاعا، يعتبر أحد أشكال الضوء، ويمكن لهذه الحزمة الضوئية أن تنطلق من العدم.
ولكن لا يوافق جميع العلماء على تداعيات هذه التجربة، وهناك حاجة لإجراء مزيد من التجارب الكثيرة لفهم الانبعاثات الإشعاعية للثقوب السوداء بالكامل.
