يغفو جهاز التلفاز ويُفيق على القناة الإخبارية ذاتها، لم يتلق أي أشارات بالانتقال إلى قناة أخرى، على الشريط الإخباري الأحمر: استيقظت إجدابيا اليوم على دوي الإنفجارات، نقل لآثار القصف الجوي الذي تعرضت له المدينة في صباح اليوم، والذي أسفر عن مقتل 10 أشخاص وجرح المئات.
حينما يكون العالم قرية صغيرة بيد التكنولوجيا، وحينما تُصبح إجدابيا ومصراته اليوم اسمين يتكرران على مسامع المشاهدين بصورة يومية، دون أن يكون أحدهم سمع أو قرأ عنهما حتى في منهج تاريخ الوطن العربي. يبدو التاريخ مسوّدة قابلة للتنقيح.
فالثورات التي تستكمل كتابة درس في التاريخ .. تُعيد صياغة دروس في الجغرافيا. فتقرير عن قصف إجدابيا، يُؤكد العزلة التي عاشتها مناهج الجغرافيا، حين يعجز أحدهم عن سرد ثروات ليبيا. فتقول المصادر: إن المدينة المقصوفة تتميز بخصوبة أراضيها، وأهميتها الاقتصادية، وتحتضن مركّب الحديد والصلب الوحيد في ليبيا، الذي يُشغل أكثر من 6000 يد عاملة.
«معقوله؟ هذا كله في ليبيا؟»..
يقطع التقرير شريط إخباري عاجل، «اضطر المئات من سكان مدينة بنغازي إلى الفرار من ظل أنباء عن تجدد الاشتباكات بين القوات الحكومية والثوار على مشارفها»..
«الحين هذيلا شحقه يتظاهرون.. بلادهم غبراء وما فيها مصادر.. عيشوا على قدكم»..
الضيف في الاستديو، يستعرض على الشاشة المقابلة جانباً من اقتصاد البلد، «تنتج ليبيا 1,6 مليون برميل يومياً من النفط، وكانت تعتزم زيادة إنتاجها إلى ثلاثة ملايين برميل، بالإضافة إلى ذلك تنتج الحديد والصلب، الأسمنت ومواد البناء الصودا والأسمدة وجانب من الصناعات البتروكيماوية الأخرى، وبعضاً من المواد الغذائية كالشعير والقمح والتمور والخضروات واللحوم».
الإخفاق السياسي يكشف فشلاً شعبياً، في استيعاب دروس التاريخ.. والجغرافيا، وعجز المناهج عن احتواء بقعة تمتد من المحيط إلى الخليج معرفياً وسياسياً.
في أخبار العاشرة «بدأت في السابعة صباحاً مظاهرات في مدينة تعز اليمنية للمطالبة برحيل النظام، وقامت السلطات الأمنية بتفريق المتظاهرين باستخدام غاز مسيل للدموع»..
أحد رموز النظام يؤكد عبر اتصال بالأقمار الصناعية «تلك مؤامرة تهدد الاستقرار في اليمن، وتُديرها أطراف خارجية تُريد العبث بالآمنين ..».
يرد الضيف المعارض في استديو الأخبار: «عن أي استقرار تتحدث، الفقراء في اليمن يشكلون 40٪، و17٪ من السكان تحت خط الفقر.. هناك ثلث الشباب من العاطلين عن العمل، يا سيدي من تظاهروا هم من نخبة الشباب والمثقفين المخلصين لوطنهم..؟».
يتدخل المحاور: «وهل إسقاط النظام هو الحل؟ ..».
المسج في أسفل الشاشة «لغة الحوار عند العقلية العربية مدارة بمفهوم نظرية المؤامرة وتخوين الآخر، وكأن الآخر يعيش في منفى.. المرسل: ع.ع من صنعاء».
* * *
يستريح الجهاز بعد منتصف الليل..
عناوين صحف اليوم التالي «مظاهرات أمام المسجد العُمري بدرعا وإطلاق نار يُطيح بعدد من القتلى والنظام يتهم عصابة من المسلحين».
أكثر ما يلفت النظر في تفاصيل الأخبار، الفقرة المظللة بعنوان لمحة تاريخية، احتلت المحافظة مكانةً سياسية وثقافية بارزة، واحتضنت درعا الكثير من علماء الدين والأدباء والشعراء - الإمام النووي نسبة إلى نوى، والشاعر أبوتمام من مدينة جاسم، إلى جانب عدد من رجال السياسة والفن والأدب المعاصرين، وتغنى بها الشعراء قديما باسم «أدرُعات».
ترى بأي حبر سيُكتب التاريخ الحديث...؟
aalfalasi@albayan.ae
