بينما تنهمك في ملء الإناء بالماء والتأكد من جاهزية الأدوات لجلسة البديكير المعتادة، تثرثر للزبونة عن حال أبناء جاليتها في إحدى البؤر المشتعلة في الوطن العربي حيث يعمل معظمهم في مهنة التمريض، «مساكين .. هم لا يودون العودة إلى الوطن، بسبب الأحوال الجوية السيئة.. في الأخبار يتحدثون عن إمكانية حدوث توابع زلزال اليابان.. قد يمتد ليصيب الفلبين، عندها تحدث الكارثة»..

«وهل الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة في رأيهم أفضل من الكوارث الطبيعية؟».. «كلا .. ولكنهم على أمل بانفراج قريب..»

استمرت في ثرثرتها المملة عما تتداوله القنوات الإخبارية.. وعن هوسها بمشاهدة النشرات على مدار الساعة.. بينما الزبونة بانتظار فرج الساعة ومرور تلك الجلسة على خير.. تبدو البؤر المُشعلة في الوطن العربي مصدراً للأحاديث اليومية والثرثرات الجانبية.

في الجلسة ذاتها، استبدلت موظفة الصالون قناة فتافيت بالجزيرة وأداات دفة الحديث الممل إلى بؤرة أكثر استقراراً، «عاد رئيسنا ما حدش مثلو.. ماتعبش الناس.. قال أنا فهمتكم.. يا سلام عليه أبو المفهومية».. «قولوا الحمدلله».. «الحمدلله ميت مرة .. كان كاتم على أنفاسنا».. وبدأت بسرد ممارسات النظام القمعية مع أبناء الشعب.

حدثت نفسها باستغراب.. تلك المرة الأولى التي تبدي نوال تذمرها من الوضع في بلدها؟.. في كل زياراتها إلى الصالون.. لم تكن تتطرق إلى حديث من هذا النوع!

مثل تلك الأحاديث.. قبل نهاية العام الماضي تحديداً، كانت خطاً أحمر، لا يجرؤ صغار الموظفين ولا كبارهم، على تداولها بتلك التفاصيل، وإن تم ذكرها فمع تحفظ على ذكر أبطال تلك الممارسات، اليوم بعد عدوى الثورات التي تعصف بالعالم العربي، يبدو المشهد مختلفاً. قد تتفاوت ردود الأفعال بين مواطن ومغترب، ولكنها قراءة مختلفة، لتاريخ يُكتب من جديد.

في المستشفى القريب، كان صوت الطبيبة عالياً، وانفعالها واضحاً للمارة، عندما أبدت استياءها من «شوية عيال» تحدثوا بلغة رقمية مختلفة، كانت كفيلة بتجمهر الحشود واعتصامها لأسابيع، «دول ما بيفهموش، يعني إيه يسقطوا النظام، يحمدوا ربهم عالأمان اللي همّه عايشين فيه، عاوزين يخربوا البلد»..

بينما يهمس الممرض في غرفة الفحص المجاورة، «أيوه علشان انتي طول عمرك عايشه من خير البلد دي، اتولدتي هنه ويمكن بقالك زمان ما نزلتيش البلد.. ما عرفتيش همّه عايشين ازاي..»

وعندما تكتب صفحة جديدة في تاريخ الشعوب، يبحث الجميع عن نصيبه في كعكة الانتصار. هم ذاتهم من حكموا على التغيير بالفشل.

في المنزل أيضاً، لا تكف الثرثرة السياسية عن التحول إلى حديث دسم، بل سجال أودى بعلاقة الجارتين في حضرة صاحبة المنزل، حيث انقطعت المواطنتان عن التواصل في الغربة..

«أنتو أصلاً ما تشبعوا.. سوالكم ما قصّر فيكم .. سوالكم مدارس وشوارع».. «انتي عايشه هنا من زمان .. روحي شوفي الناس مش لاقيه تاكل .. زوج ابني مش قادر يصرف عليهم .. جامعي ويشتغل في بقاله ..» «يحمد ربه ايش يبغي يكون رئيس؟».. «انتي متنعمه هنا لا تتكلمي عن معاناة الشعب»...

يطول النقاش وتزداد حدته.. ويكاد يتحول إلى شجار بالأيادي، بينما تكتفي الحاضرات بتبادل نظرات الدهشة..

«صلوا على النبي يا جماعه.. نسيتونا المسلسل».. ويبدأ العشق الممنوع.

 

 

aalfalasi@albayan.ae