كانت حقيبتها المدرسية الصغيرة كحقيبة أي مراهقة تترك بعضاً من كتبها في درج الفصل، كافية لاستيعاب قطعتين من الملابس ولاب توب، ستحتاجهما حتماً عند العودة من المدرسة، همّت بوضع ما يلزم مسرعةً، بحثت مطولاً عن جواربها، صففت شعرها بارتباك.

اتجهت للسيارة مدارية وجهها.. تقاطرت الدموع على مريولها وتذكرت أنها لم تتناول وجبة الإفطار. ولم يدعُها أحد لذلك، كان الصمت يُطبق على رحلة الذهاب إلى المدرسة..

أمضت يومها الدراسي شاردةً في كيفية الهروب من المنزل، والتخلص من الوضع الذي تفرضه والدتها، فهي تقاطعها منذ أسبوع، رافضة الحديث إليها.. حتى عبر وسيط.

فاجأت سارة بطلبها العودة معها إلى منزلها، (خبرتي أمج ؟).. (لا .. أصلاً هي ما ترمسني، هي لو تحبني بدورني، أنا يبت ثيابي وبقيل عندكم).. (انزين بترياج فالسيارة يوم بيدق الجرس)..

***

لم يكن يوماً عادياً، أمضت علياء يومها مبللاً بالدموع، أحاسيس متناقضة تسيطر على شعورها نحو والدتها، أيعقل أن يكون حنان الأم وقسوتها حدين لنفس السكين؟ أجهشت بالبكاء وهي تتحدث إلى أبلة سلوى التي لم تعتد رؤية طالبتها على هذه الحال (أصلاً لو كنت بنتها ما بتدعي عليه !! حتى ما طاعت تفصل لي فستان حق عرس بنت خالتي وفصلت لخواتي بس).. (لحظة غضب يا حبيبتي .. مهما كان هذي أمج).. وارتمت في أحضان أبلة سلوى، وصورة والدتها تتراءى خلف كل صدر حنون..

***

تأخرت علياء عن موعدها اليومي، أحد في المنزل لم يلحظ غيابها عن وجبة الغداء.

عند الرابعة عصراً: (أختكم وينها؟).. (ما ردت من المدرسة أصلاً).. (اتصلي لسارة اسأليها هالسباله وين ذلفت؟)..

(لقيتها عالماسنجر.. تقول بتقيل عند سارة).. (كيف تسير بدون ما تشاورني؟).. (تراج ما ترمسينها كيف بتشاورج؟)

(أنا أمها مب هي أمي.. تبا تأدبني؟ وين بتسير عني ! قوليلها إن ما ردت البيت.. بخبر اخوانها ايونها ويسحبونها من شعرها!)..

***

لم تبدُ حكاية الخلاف الذي طال أمده بين علياء ووالدتها، أمراً يستدعي كل تلك القطيعة، بين مراهقة ترغب في الخروج بصحبة صديقاتها، وأم تراه طلباً غير مشروع لابنتها المراهقة.. وبدأت فصول الصمت المتبادل تراكم القسوة والخصام.

(أنا ما عندي بنات يطلعن رواحهن، اليوم تطلع وياهن وباجر بتقلدهن وبتطلع عن شوري، برايها .. بتصيح لين تسكت.. وبعدين ليش تزعل؟ هي الغلطانة وإلا أنا)..

(كلامج صحيح.. بس حاولي تحتوينها.. الزعل اييب نتيجة عكسية .. والدليل انها طلعت من البيت بدون اذن منج).

(صدقيني من خوفي عليها .. هالأيام الأمهات ما يربن، وعيال الحرام وايد.. )

***

يبدو أن القطيعة لغة تستعين بها الشياطين، والحوار وحده هو سيد الموقف، بينما المبادرة بالحوار تستدعي وضع القسوة جانباً، والاستعانة بحنان الأم، لمخاطبة اندفاع المراهقة.. لتجنب أي خسائر تحدثها القطيعة.. بينما الأمومة إطار يستوعب كل إشكال عائلي.