كان الاتفاق صباحاً أن يلتقيا عند الدكان القريب من المسجد بعد صلاة العصر، حمّود يُخلف وعده للمرة الثالثة هذا الأسبوع، انتظره سالم نصف ساعة وغادر عائداً إلى المنزل، شيء ما يدعو للقلق .. مؤكد هي زوجة أبيه، عادت إلى مضايقته مجدداً، بينما يقف والده متفرجاً..

«الله يخليج سالم يترياني .. باخذ منه أوراق المراجعة وبرد البيت بسرعه ».. «أنا قلت لا يعني لا.. ادرس من أوراقك ! وان شفتك طالع غير أحش ريولك، تفهم وإلا أفهمك»..

يرن هاتف المنزل، يهم بالرد .. تنتزع السماعة من يده. «حمود يذاكر.. وإنت ان اتصلت مرة ثانية، اخبر عليك الشرطة .. ».

يعود حمود ذو الأعوام الخمسة عشر إلى غرفة يتشاركها مع إخوته الصغار، يرقبهم من النافذة يستعدون للخروج للعب كرة القدم في الملعب القريب، بينما هو حبيس المنزل، حتى تشرق شمس صباح اليوم التالي، ويذهب للمدرسة.. المتنفس الوحيد.

* * *

آثر سالم البقاء في المنزل، بعدما تعذر لقاء حمود، والسؤال عنه بالهاتف، والدته تدعوه إلى العودة إلى مراجعة دروسه «ما عليه يا بويه .. باجر بتشوفه فالمدرسة، يمكن هله ما يبونه يلعب فالفريج .. هم أدرى بمصلحته»..

جال سالم بنظره في محيطه، تذكر أن حاله ليس بأفضل من حال حمود، فهو الذي تربى يتيماً، سيبقى مديناً لوالدته التي ادخرت كل جهد لتربيته، وشقت كثيراً حتى تؤمن حياةً كريمة لابنها الوحيد، بينما عمه يحرمه من نصيب يرثه عن أبيه، بحجة أنه لا يزال قاصراً..

حال حمود تؤرق زوجة أبيه، وتبقيه محط شكوى دائمة ، «هذا ولدك الصراحه متعبنّي .. ما اروم عليه، عفريت ! دور له حل كل يوم يايني يبا يلعب فالفريج ومرابع كل من هب ودب ».. «الولد كبر ويبا شي يسليه .. بشتريله لاب توب .. يتعلم وينفع عمره ».. «هذا ما منه فايده .. غبي وفاشل»..

***

«وين اللاب توب اللي قال عمي بيشتريه لي؟» .. «ما عليه يا بويه الشهر الياي أنا بشتريه لك ».. «أنا الحين كبرت ولازم يكون لي مصروف، نحنا محتاجين وعمي يلعب بفلوسنا، حتى سيارة مثل الناس ما عندنا ».. «اصبر يا بويه .. الله بيفرجها »..

* * *

بعد أن اقتنى كل من حمود وسالم جهازاً محمولاً، أصبح التواصل أمراً يسيراً، لا حاجة للخروج إلى الفريج، هناك في الشبكة العنكبوتية، ما يستحق المكوث أمام الشاشة الكريستالية طوال اليوم.. تعرّض حمود للإهانة مراراً، لم تأل زوجة أبيه جهداً في إيذائه، رغبةً في تدميره نفسياً.. وحرمانه من حق مادي أو معنوي لشاب في مثل سنه.

لم يجد حمود بداً من بث همومه في الشبكة العنكبوتية، حتى وجد حلاً.. حاول النيل من نفسه، والخلاص من جرح عميق. خرج من منزله هارباً إلى بيت الجدة، مهاجراً بذكريات قاتمة .. عن العائلة والإخوة..

بعد حين. التحق كل منهما بالمرحلة الجامعية، حمل حمود رحاله لإكمال دراسته في الخارج، محاولاً إيجاد عالم أرحب ونسيان ماض قاتم، وفضل سالم الالتحاق بجامعة محلية رغبةً في البقاء إلى جانب والدته، في تلك الأثناء لم يجد مفراً من مقاضاة عمه، وسجنه، على إثر اتهامه بالاستيلاء على نصيبه من ميراث العائلة.

حمل كل منهما غصّة بداخله، سخط على أقدار تجرعا خلالها الصبر والهوان ، دون أن يدري أحدهما بالآخر، وبقي التواصل العنكبوتي مستمراً.. حيث الثورة بيد العقول الشابة.