مدت يدها مراراً لإسكات المنبه، والعودة للنوم مجدداً، استيقظت من الإغفاءة الأخيرة والساعة قد تجاوزت التاسعة، كان يوماً لم تدرك تفاصيله الصباحية كعادة سائر الأيام، هرعت للمدرسة مسرعةً، سابقت الزمن وتمكنت من العثور على موقف لسيارتها أمام المبنى الرئيسي، بينما تتوقع في أي لحظة اتصالاً من المديرة تستفسر عن سبب تأخيرها.

«ما شاء الله البارحة مروحة من وقت واليوم يايه متأخرة.. شو سالفتج».. بابتسامة خاطفة علقت على ذلك الاستقبال الصباحي بصوت هامس «يعني مول مب وقت، قاصره إلا من ويهج، يالله بصباح خير».. «تعالي بسألج وين حصلتي موقف أنا يايه قبلج ومــ ..».. «سامحيني مستعيلة»..

لم يمر يوم لم ترصد فيه تلك الزميلة تحركات الزميلات الأخريات، نافذتها المظلة على مواقف السيارات تُطلعها على قائمة الحضور والتأخير والغياب..

* * *

كان صباحاً متعثراً، بدأ بالتأخير والوجوه المتطفلة، تدراكت الوقت وعادت مجدداً للانخراط في دوامة العمل، «هلا والله .. شحالج ؟ البارحه ما تم حد ما شكر في شغلج .. الله يعطيج العافيه.. وحتى المديرة مستانسة».. «معقوله .. مع اني كنت مترددة في اختيار موضوع الدرس».. «بالعكس فكرتج متميزة».. استعادت ابتسامة اليوم، لقد اعتادت سماع تلك العبارات بين الفينة والأخرى، والآن هي أحوج ما يكون إليها، سُعاد لا تدخّر حديثاً في تلطيف مزاج زميلاتها، يا سلام ، لو كل الناس سعاد، كتلة من المشاعر الإيجابية المتجولة. لا يمكنك أن تحتفظ بابتسامتك في وجهها.

انتهى اليوم دون أن يُكدّر صفو النهار غبار، ليس هناك ما يُقلق إنها إجازة نهاية الأسبوع، كان في المنزل ما يستدعي تجمع العائلة على مائدة الغداء، العائلة تستضيف العمة، والجميع بانتظار تحلق البنات على السفرة.

بينما أفراد العائلة يشرعون في سكب الطعام، ترمق العمة أطباق الحضور دون أن تمد يدها لتناول ما تشتهي من الطعام.. تصيح بنبرة حادة «بس عليج.. مب زين وايد تراه يضر.. خلق الله مب مترقعه من الأمراض والسبة الأكل الوايد، وانتي كمن مرة غرفتي لج؟ أمس تقولين مسوية ريجيم. الله يهديكم».

تبادل الحضور النظرات.. وانسحبت البنات واحدة تلو الأخرى تجنباً للمزيد من الإحراج. «أموت وأعرف منو عزمها عالغداء.. أصلاً هي ما تاكل .. بس اطالع شو ناكل وشو نلبس !»

* * *

في المساء تنتعش الأجواء مجدداً، هي تستعد لاستقبال الجارة القديمة، فتحرص على مظهر لائق وأنيق، ترتدي ثوباً جديداً، ونفحات العطر والبخور تعم الأجواء، الجارة لا تزور العائلة إلا بكامل أناقتها، ما يستدعي استقبالاً لا يقل ألقاً وجمالاً.. فزيارتها تشعل منافسةً بين الجميع للتحلي بمظهر جميل .. ورائحة عطرة..

«ماشالله .. يلستكم حلوة وما تنمل .. سامحوني لازم أروح».. بين النظرات والأحاديث لا يُمكن أن يُلغي الزمن المشاعر، فأحياناً هو يوقدها، وكأنها اشتعلت للتو، ورائحة الحنين لا تزال تفوح منذ اللقاء الأول، ورغم أنها زيارات متقطعة ، إلا أنها متصلة بخيط خفي تجعله لقاءً متجدداً.. وكأنه انفض أمس.

* * *

مأ إن خلدت للنوم، وتوسط رأسها المخدة، حتى استرجعت وجوهاً في زحام اليوم، تقصي وتُدني، تقلب المشاعر بمغناطيس خفي، ترسم ابتسامة وتعكر صفواً، فأي الوجوه يا تُرى أنت؟!

 

aalfalasi@albayan.ae