تستل جهازها المحمول من الحقيبة، تُزيح الكتب جانباً، تفتح «اللاب توب»، وتستهل نهارها الجامعي بالمرور على بريدها الشخصي، تحرك الفأرة لتصفح القائمة التالية من الرسائل، الردود مُبشرة بالخير.

لقد أمضت الليلة الفائتة في إنهاء الفصل الجديد من «الفضفضة»، وقررت نشره في المدونة الإلكترونية الخاصة بها، لحصد المزيد من التفاعل، كانت قد بدأت في سرد حكاية بدأت أحداثها، منذ أن فقدت أذناً صاغية تبث لها هموم فتاة عشرينية.

قبل أن يأتي المساء، كانت قد أنهت نهارها الجامعي، انسحبت من عالم العائلة، واتجهت مسرعة نحو «اللاب توب»، تتصفح الردود بابتسامة تلقائية،«الله يعينا .. هذا الكمبيوتر خبل بكم، ترمسون وتضحكون رواحكم، قومي صلي استوا نص الليل».. بصمت مثير لغضب والدتها تقوم للصلاة، تنتهي وتلف السجادة المفروشة بمحاذاة «اللاب توب»، وتعود إلى شاشتها الصغيرة، كانت تُسخر حواسها لاستكمال أحداث الحكاية التي قررت المضي في فصولها، وكانت تدّخر انفعالاتها لتُشارك بها متصفحي المدونة، من شكلوا لها دافعاً نحو نشر ذلك البوح، بفرحه وخيباته، بصدقه وخيالاته.. في مجتمع تحجب أفراده عن بعضهم شاشة كريستالية تنساب عبرها المشاعر وتمتص الانفعالات.

منذ أن قررت الانخراط في ذلك العالم المتشابك بأسلاك العلاقات الشبابية، لم تتمكن من زيارة جدتها لأسابيع، ولا الجلوس مع الضيوف، كما تريد والدتها، ولكم تعد تحضر على المائدة بشكل منتظم.

انتهت فصول الحكاية، ولم تُسدل الستارة على تلك العلاقة الحميمة بالشبكة، لم تتوقع أن تحصد «سوالفها» تلك التعليقات، والرسائل المُشجعة، فهي تلقت أخيراً عرضاً بنشر الرواية في كتاب، تتولى طباعته مكتبة الجامعة!

بدأت علاقة الجيل الالكتروني بأدواته، في محاولة للبحث عن مساحة للبوح، و«الفضفضة» الاجتماعية، حتى تمكن أفراده من الالتقاء عند هموم، كانت سبباً في ترسيخ تلك فكرة تلك المجتمعات، والعمل على تنميتها، حتى أصبحت المدونات الشخصية اختياراً متاحاً للجميع، لمناقشة أفكاره، وتبادل آرائه مع شريحة واسعة من الشباب من مستخدمي الإنترنت، بل وتجاوزته حتى أضحت منبراً لاستنهاض همم الشباب ومهداً لثورتهم رغبةً في التغيير، في عالم متسارع النبض ثائر على التخلف.

على اختلاف أدوات تعبيره، أصبح من الضروري أن يتم مجاراة أفراد الجيل الإلكتروني وتعلم لغتهم، واستيعابها، لكونهم يُمثلون الفئة التي يُعوّل عليها مستقبلاً، فالفجوة الحادثة بين الجيلين، نتيجة تجاهل أدوات تعبير الجيل الصاعد، وعدم استيعابها، تضع التواصل في مأزق. معظم النماذج الإلكترونية الناجحة، بدأت بتجارب صادقة، تحسست هموم الآخر، وسّعت دائرة النقاش، وقبلت بالاختلاف، قلبت مفاهيم الزمان والمكان، وأصبح بإمكانها فهم الآخر والتحدث بلغته، والنطق بلسانه، وقراءة همومه في عز صمته.

وإن كان الخلاف على تقييمها، فهي فرضت نفسها على الآخر، ودفعته إلى الاعتراف بها، ولعل أشهرها، تجربة مدونة «عايزة أتجوز» لصاحبتها غادة عبدالعال، التي قفزت من شاشة «اللاب توب» إلى رفوف المكتبة بتوقيع دار الشروق المصرية، ولتسجيل المزيد من الاعتراف، تم تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني حظي بمتابعة واسعة.

أما حكايات شباب الجيل الإلكتروني، فهي تجارب مدهشة في «زمن التحول» إلى الإعلام الالكتروني الذي اقتحم عوالم الشباب واعترف بمدوناتهم، فتلك تجارب قد لا تستوعبها سوى كتب التاريخ الحديث.