كان عليها الانتظار قرابة النصف ساعة لتتمكن من دفع فاتورة هاتفها النقال، طابور شركة الاتصالات يزداد طولاً.. وإجراءات الدفع إلى المزيد من التعقيد.
في انتظار دورها، تلمح في أول الصف وجهاً تحفظه جيداً، تستدير قليلاً وتتبادل النظرات مع الواقفة في أول الطابور.. لتتيقن أنها شيخة، صديقة الطفولة والمراهقة والنضج، لم تتبدل ملامحها كثيراً، الهيئة ذاتها، كأنها تراها على مقاعد الدراسة.
في تلك الوقفة، تذكرت أن آخر لقاء جمعهما كان قبل سبع سنوات، منذ أن زارتها شيخة معزية بوفاة جدّتها.. وغابت عن التواصل، بعدها حاولت الاتصال مراراً.. ولا طريق للوصول إلى شيخة، سوى رسائل معتذرة مقتضبة.
استحضرت آخر الرسائل المتبادلة بينهما، ما زالت مخزنة في صندوق الحفظ بجهازها القديم، اعتذاراتها المتكررة، وانشغالها بالزواج.. وثم الحمل، والإنجاب الذي لم تدر عنه الصديقة سوى صدفة بعد مرور أشهر عبر صديقات مشتركات، كل الحكاية بفصولها المزهرة وأوراقها المتساقطة، الملأى بالفرح والتعب والدموع، تضعها مرة أخرى في مواجهة مع نفسها، والفقدان الذي لا تفسره الظروف ولا الأيام .. ولا تجد له الأعذار خيانات أخرى.
صوت الجرس المنبعث من السماعة القريب إيذاناً بحركة الطابور إلى الزبون التالي.. يقطع عليها حبل الذكرى الأكثر تأثيراً في سلسلة علاقاتها، عندها كان الدور قد انتصف، وحينها انتبهت أنه كان عليها أخذ تذكرة من المكينة القابعة على يمين الباب ولن تنفع سوى العودة آخر الصف! بانتظار رقمها.
عادت لآخر الصف، خجلت من لا مبالاتها، وشرودها الذي كلفها المزيد من الانتظار.. انتبه لحركتها العميل الأخير، عرض عليها تذكرته، (لقد وصلتِ قبلي، وانتظرتِ طويلاً..) (شكراً لك، سأنتظر قليلاً )، بادلها بابتسامة واصطف في الدور مجدداً.
انصرفت بعد ساعة قضتها في الانتظار الأول والانتظار الثاني، وبقي المشهد مسيطراً عليها طوال اليوم مشهد تجاهل شيخة ولطف العميل الأخير، تباين السلوك الإنساني، رؤية شيخة استحضرت مشاعر الفقدان غير المبرر، التجاهل وقلق البحث عن صديقة جديدة، أو الإخفاق في تعويض ذلك الكم من الفرح والإخلاص لذكرى تستدعي المزيد من الدموع، بينما تكتفي اليوم برؤيتها دون عتب أو مطالبة بتبرير، يُعيد اعتبار الصداقة.
المشاعر الإنسانية الخالصة مقتنيات ثمينة، تُمنح دون مقابل، ينحني البشر أمامها بوفاء وإخلاص، والصداقة كذلك، أحد تلك المقتنيات وقد تكون أثمنها.. وفي الصداقة تتجلى قيم الوفاء والإخلاص والإيثار والتضحية، دون مقابل. وخسرانها يُخلف الكثير من الفقد، والنقص، واختفاء قيم وانحسار أخلاقيات حميدة، بذل المربون كثيراً من الجهد والوقت لبذرها وحصادها، وتهاونت الأجيال في إضاعتها.
المواجهة جزء من حكاية فقد الأشياء وخسارتها، فعندما يُصبح الهروب من المواجهة عادةً، تُستباح الحقوق وتُنهب ويستأثر القوي بحق الضعيف ويصادره، والمحاسبة جزء آخر من الحفاظ على المقتنيات والذود عنها، وفصول حكاية الفقدان تبدأ منذ أول قرار بالسكوت، والتنازل .. والتجاهل. لتأتي ثورة القرار أكثر كلفةً وإيلاماً.
