انتهين من تناول العشاء على عجل، كان يوماً عائلياً بامتياز، جمع أقطاب العائلة الكبيرة، جيل الأمهات يستأثر بالحديث حتى التاسعة والنصف، ولم يمنع الالتحام العائلي من التفكير بالانصراف المبكر، تنظر كل منهن إلى الساعة المعلقة، هاي ساعتكم مضبوطة؟.. (ها شعندج .. لا تقولين بتروحين ) .. (هيه بنسير نطالع مهنّد، ما يندرى حصلوه والا بعده ).. (ما افتكت العرب من مهند )..
(لا هذا غيره .. يقولج يعشق مرت عمّه .. والعم ما يدري ).. (الله يبحصه .. هذيلا مب مسلمين ولا شافوا الإسلام .. متى بتفتك العرب منهم ).. (ما بتفتكون .. يقولون هالمسلسلات أنعشت الاقتصاد والسياحة في بلادهم..). لم تكن مازحةً أبداً.. تركت المجلس قبل العاشرة، واتجهت لشاشتها الصغيرة متسمرة أمام حلقة جديدة من العرض الممنوع، مع أن جارتها تؤكد أنه بإمكانها ملاحقة ما فاتها من حلقات ولقطات على اليوتيوب هي لا تتردد في متابعة الحلقة والإعادة في اليوم التالي.
أسيرة العرض الممنوع هي الأم ذاتها التي انتقدت شغف الفتيات بالمسلسلات المكسيكية، ونهت بناتها عن متابعتها يوما ما .. أمام الشاشة الصغيرة، هي تتبع تفاصيل علاقة محرمة، وتتنبأ بالانفعالات، وتسخط على انتهاك الحرمات التي يدور الأبطال في فلكها، لا شيء يُشبه ثقافتها أو أسلوب حياتها، لكنّها لا تزال تنتظر الحلقة بلهفة كبيرة، وتناقش احداثها في اليوم التالي مع مشاهدات ينافسنها الشغف بالمسلسل التركي. في غالبية تلك الأعمال، لا يُمكن التنبؤ بنهاية المسلسل، أو وضع تصوّر لأحداثه، تبدو الأحداث إلى سطحية مستمرة، ومع تكرار تلك المسلسلات، لا تزال الفضائيات تتهافت على العرض، في أي زمان ومكان، لا بد هناك إحدى القنوات تعرض مسلسلاً تركياً..
على مدار الساعة ! يمكن بعدد نشرات الأخبار. المؤسف أن يكتشف العرب الدولة العثمانية بعيون دراما سطحية، وأن تُصدر تركيا تلك الصورة الغارقة في التحرر في ظل مد إسلامي يجتاحها.. الغريب أن يتزامن استيراد المسلسلات التركية المنهمكة في تصوير العشق الممنوع في وقت تدشن تركيا حقبة سياسية يصف أبطالها أنفسهم بالعثمانيين الجدد .. المُزري أن تتأمل الأجيال لعلاقة تربط مُهند وسمر، ولا تلتفت لنموذج أردوغان، الصورة المشرقة للإسلام الحضاري، المتسامح والمناضل والمُتسلح بالعلم.
المُجحف أن يُنسب النمو الاقتصادي في قطاعات الدولة إلى نور ومهند، وتُهمش جهود النظام الاقتصادي الحديث في القفز بالناتج القومي إلى الضعف في 2008، منذ أن تولّى حزب العدالة والتنمية الحكومة في 2002، بينما تُباع صادراته في أكثر من 180 بلداً في العالم. في بلد يُدرك كيف يدير أزماته باحتراف وفهم عميق، صفّر نزاعاته مع الجوار، ودشّن عهداً جديداً من العلاقات مع جيرانه، لعب دوراً في حل نزاعات المنطقة، يرسم صورة مشرقة للإسلام الحضاري، بينما تعمل الفضائات على تقليص دور تلك الحضارة في دراما عابثة قد لا تحظى في موطنها بربع أعداد المتابعين من العرب.. للعرض الممنوع !
