كان صباحا انتظرته طويلا. لكي تهنأ بالراحة مجددا.. تأكدت من وصول ابنائها للمدرسة، عرجت على الحضانة القريبة، أتمّت اجراءات تسجيل آخر العنقود في حضانة مكتظة بالاطفال السمر والشقر، وتركته يبكي ممسكا بطرف ثوبها.. «ماما تبا.. ماما تبا».. انصرفت مسرعة غير قادرة على اخفاء خوفها من ان تضعف أمام بكاء ابنها، استوقفتها إحدى الامهات.. «لا تخافين.. خليه شهر وبتلقينه يرطن انجليزي.. الحين بيصيح وبيسكت»..
قالت في نفسها مستنكرة «خليه يتكلم عربي أول !!» ساورها الشك بضرورة مراجعة هذا القرار! ولكنها عدلت عن الأمر في سبيل ان يتعلم ابنها اللغة الانجليزية باكرا ويصبح من المتفوقين..
وتنازلت عن أمنية الأمومة المبكرة، بأن يصبح ابنها إماما للمسجد القريب. وان يصدح صوته في «الفريج» داعيا للصلاة.
فوجئ الصغير بتصفيق من حوله، عندما تنطق بأولى الكلمات التي لقنتها إياه الخادمة «دور».. وأصبح بدوره يكرر لفظ كلمات تلقيها على مسامعه الخادمة لكي يهنأ بالتصفيق مجددا.. «جود بوي» لا بد من مكافأته..
حافظ القرآن مثلاً؟
من البيت الى المدرسة يحمل الأطفال ذاكرة لغوية وصورا التقطوها قبل التحاقهم بذلك العالم الذي يمكنهم من اكتساب المزيد من العلوم والمعارف.. واللغة هي أداة تأخذ بيده نحو تلك المعرفة.. فهي الأساس في شرح العلوم وفهمها.. والعربية أحدى اغنى اللغات الحية بمفرداتها المتنوعة لم تعجز يوما عن تفسير علم أو ظاهرة أو ترجمة مصطلح أو مفردة. بينما كثير من العلوم والمعارف في الاصل هي ارث عربي تناقلته الأجيال.
عندما قررت البحث عن مدرسة لابنها، لم تتردد في اختيار مدرسة تتبع المنهاج الأميركي، ولم تتوان في دفع مبلغ اضافي للمواصلات، لكي يتقن الصغير الانجليزية. اليوم هو يستطيع تحدث الانجليزية بطلاقة مع الأستاذ.. النادل في المطعم.. الخادمة.. يقرأ كتبا وسيراً ذاتية للمشاهير.. كما يمكنه ترجمة المسلسل الأجنبي لوالديه..
غير انه مازال يخفق في إملاء اللغة العربية. ولا يجتاز امتحان التربية الاسلامية.
ليست دعوة لمحاربة الانجليزية.. بل رجاء بانتشال العربية من وحل الإهمال.. ومصيبة تجاهل الخطر المتربص بها، عندما أدارت الأجيال المتعاقبة ظهرها للقراءة وابتعدت عن الدين.
فأرادت أطفالاً عرباً.. بنسخة انجليزية.
